لبس السواد إنما هو في مناسبة الحسين (عليه السلام)، وأما ما بعد ذلك فلا يُعتبر تحزناً عليه. والمرأة العارفة بالأحكام الشرعية والحكيمة في ذلك توازن بين الأمور؛ فتحزن في مواقع الحزن وتتزين لزوجها في مواقع الزينة، فلا يصح مثلاً أن تأخذ الباب مفتوحاً إلى آخر السنة أو بالأشهر أو تهمل نفسها من جهات التنظف والتطيب وما شابه ذلك خاصة لزوجها ولأجل زوجها فقط. هذا الأمر لا يتعارض مع أمور الحزن ولبس السواد إذا بقي في وقته. هذه إشارة بناءً على أنه قد يرد سؤال في هذا الجانب.
نرجع إلى موضوعنا في "الاطعام الحسيني" الذي هو الآن من الشعائر ومن الشعارات العامة الموجودة في مجتمعات أهل البيت (عليهم السلام) في مناسبة الحسين.
أصل الإطعام -كما تعلمون- إطعام الآخرين غنياً كان أو فقيداً أو جائعاً؛ هذا أمر يقضي به حكم العقلاء في مدحه وحسنه؛ أن الإنسان ليس فقط ينفق أمواله على إطعام نفسه وإنما يطعم غيره، سواء كان ذلك الغير شخصاً جائعاً ساغباً أو كان شخصاً غير جائع. إشراك الآخرين في ماله بإطعامهم مما تهدي إليه الفطرة السليمة ويؤكده العقلاء على أنه شيء حسن ومطلوب بغض النظر عن سائر العناوين. أصل إطعام الآخرين وأن يصرف الإنسان من ماله في هذه الجهة أمر مستحسن بنظر العقلاء وأيضاً تهدي إليه فطرة الإنسان السليمة.
بل فيه تربية أخلاقية؛ أن يتخطى الإنسان حالة البخل وحب الذات بحيث لا يصرف إلا على نفسه، بل هو ماله مع أنه اكتسبه وصرف فيه جهده وعمره لكن يطعم غيره.
الرسالات والديانات السماوية جاءت لتؤكد هذا الحكم العقلائي وهذا الأمر الفطري، فحثت على موضوع الإطعام وأكدت عليه ونوهت باستحبابه. يعني هذه الحالة ليست تشريعاً دينياً جديداً وإنما هي إمضاء لهذه الحالة الفطرية السليمة عند الإنسان، وإمضاء لما عليه العقلاء من استحسان مثل هذا الأمر. فجاءت التشريعات الدينية محسنة للانفاق في الإطعام ومؤكدة عليه؛ لا تأسيسياً وإنما تأكيداً وتأييداً لهذا الأمر.
وهذا في مختلف الرسالات التي آخرها الإسلام أكدت على هذه الأمور، بل نجد في القرآن الكريم وفي أحاديث نبينا محمد أن هذا الأمر (أي الإطعام والسخاء في هذه الجهة) قد يؤثر في تقليل عذاب من يستحق العذاب. هناك حديث مشهور عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو مروي أيضاً في مصادرنا الإمامية أنه قال: «أَهْوَنُ النَّاسِ عَذَاباً يَوْمَ القِيَامَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ»، قيل له: لمَ؟ قال: «لأَنَّهُ كَانَ يُطْعِمُ الطَّعَامَ».
ومعروفة جِفَان عبد الله بن جدعان في البيئة العربية؛ أنه أحياناً كان يطبخ فيها جملاً وجملين مرة واحدة! انظر قدراً يتسع لـ جمل أو جملين كم حجم هذا القدر؟! وكانوا يصعدون إليه بما يشبه السلالم. هذا قد يكون فيه شيء من المبالغة ولكن المعروف عنه أنه كان يبسط الطعام ويُتيحه لكل من يحتاج إليه بغير مقابل سخاءً منه وعطاءً منه، وهذا مشهور في البيئة العربية؛ مثلما بعض العرب مشهورون بالبخل وهذا كان مشهوراً بالسخاء في جانب الإطعام وتوفير الطعام. الحديث يقول: هذا مع أنه مات مشركاً وكافراً ولم يؤمن برسول الله (صلى الله عليه وآله)، إلا أنه أهون الكافرين عذاباً، لماذا؟ لأجل أنه كان يطعم الطعام؛ لا يستحق الجنة باعتبار كفره وشركه ولكن يخفف عذابه في هذا الجانب.
وأما آيات القرآن الكريم في هذا الجانب فكثيرة، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا العَقَبَةُ﴾، العقبة شيء يتخطاه الإنسان لكي يصل إلى الطرف الآخر، ما هي هذه العقبة؟ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. هذا يساوي كأنما ذاك الإطعام لليتيم في اليوم الجائع يعادل فك الرقبة وعتق الرقبة في الدنيا (وهو شيء كبير جداً)؛ يجلب يتيماً قريباً منه أو مسكيناً من شدة الجوع وقلة ذات اليد يجلس على التراب. فَعَدَلَ القرآن الكريم عتق الرقاب (مع أن أجره عظيم جداً) بالإطعام لليتيم وللمسكين.