الإطعام في موسم الحسين عليه السلام
بسم الله الرحمن الرحيم.
نقل شيخنا الطريحي في (مجمع البحرين) حديث مناجاة موسى لربه عن سبب تفضيل أمة رسول الله على أمته، فأجاب بخصال عشر، قال منها: «لماذا فضلت أمة محمد؟»، فقال: «مَا مِنْ عَبْدٍ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ فِي مَحَبَّةِ ابْنِ بِنْتِ نَبِيِّهِ طَعَاماً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ دِرْهَماً أَوْ دِينَاراً إِلاَّ وَبَارَكْتُ لَهُ فِي دَارِ الدُّنْيَا الدِّرْهَمَ بِسَبْعِينَ، وَكَانَ مُعَافَىً فِي الجَنَّةِ وَغَفَرْتُ لَهُ ذُنُوبَهُ».
هذا الحديث يذكره شيخنا فخر الدين الطريحي (أعلى الله مقامه) في كتابه (مجمع البحرين). والشيخ الطريحي عالم جليل موسوعي، له تأليفات مختلفة في مواضيع كثيرة، منها (مجمع البحرين) الذي أثنى عليه العلماء ثناءً كثيراً جداً، وهو أشبه بمعجم لغوي ولكن مع ذلك فيه إشارات إلى الأحاديث المروية عن أهل البيت، وفيه استذكارات لقصص ترتبط بتلك المادة اللغوية؛ فهو نافع جداً وأشبه بالموسوعة التي محتواها محتوى ديني وأخلاقي وعقائدي وتاريخي.
من جملة ما أورد فيها؛ أورد خبراً عن مناجاة نبي الله موسى (على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام) لربه وقد علم أن الله عز وجل فضل أمة رسول الله على أمته، فسأل عن أسباب ذلك لكي يخاطب أمته ويسيرها في هذا السبيل: «ما ميزات تلك الأمة المحمدية؟ ما الفضائل التي عندها؟ أنا كنبي لبني إسرائيل أعلم بني إسرائيل هذه الفضائل والخصائص حتى ترتقي تلك الأمة». فأجابه بكثرة الصلاة، والصوم، والزكاة... وورد أيضاً: «والعاشوراء». فمن ميزات أمة رسول الله إحياؤهم للعاشوراء (والمقصود بهذه الأمة هي السائرة على منهاج أهل البيت عليهم السلام).
فذكر خبراً عن يوم عاشوراء وشهادة الإمام الحسين (عليه السلام)، وأورد فيه أن من أنفق من ماله في محبة ابن بنت نبيه طعاماً وغير ذلك (أنفق أموالاً لا بأس، أنفق طعاماً كذلك، أنفق أشياء كذلك)، والإجمال أن من أنفق في محبة سبط رسول الله شيئاً في هذا الموسم وفي عاشوراء وبهذه الجهة درهماً أو ديناراً؛ إلا باركت له في الدنيا الدرهم بسبعين، وفوق هذا كان معافى في الجنة (يعني لا يُحاسَب) وغفرت له ذنوبه.
هذا الحديث الذي ينقله الشيخ الطريحي هو مقدمة حديثنا عن موضوع "الاطعام الحسيني" في موسم عاشوراء.
تنويه حول مسألة لبس السواد وحقوق الزوج
لكن قبل ذلك، بناءً على السؤال الموجود حول موضوع ليلة البارحة في موضوع السواد ولبس السواد: أنه قد يقال مثلاً بعض النساء تلبس السواد من أول محرم إلى آخر صفر، وبالتالي قد تضيع بذلك حق زوجها في الاستعداد له والتهيئة المناسبة، فكيف يتفق هذا مع ما ورد من استحباب لبس السواد؟
الكلام في الليلة الماضية كان حول أصل المبدا من غير تحديد للمدة، ولا سيما إذا كان في مثل العشرة الأولى فهو أمر مستحب ولا يعترضه شيء آخر، بل ربما حتى لو امتد إلى نهاية شهر محرم. لكن الاستمرار بهذا النحو (كأن امرأة تقول مثلاً: أنا أُريد أن ألبس السواد على الحسين من أول محرم إلى شهر ذي الحجة)؛ هذا لأنه يتعارض مع أمور أخرى قد تكون واجبة وقد تكون مستحبة (مثل التهيؤ للزوج، وإظهار جمالها وما شابه ذلك لأجل زوجها مما هي مأمورة به ومن حقوق زوجها عليها)، قد يكون هذا معارضاً لذلك الأمر.
فإنه بعد أن قلنا إن السواد هو لون الحزن ولون الانصراف عن الملذات وما شابه ذلك، فهذا بمقتضى المناسبة كالعاشر والعشرة الأولى، وربما زادت إلى العشرة الثانية أو آخر شيء مثلاً إلى نهاية شهر محرم، قد يكون هذا مفهوماً في البيئة الدينية. ولكن المرأة الحكيمة العارفة بأحكام الدين تعرف أن كل حكم إذا كان يعارض حكماً آخر، كل مستحب إذا عارض شيئاً واجباً أو عارض شيئاً مستحباً؛ ينبغي أن يُنظر إلى هذا العنوان الآخر الذي لا يتقيد بوقت.