مع هذا، كانت الفترة التي عاشها الإمام من الفترات الصعبة جداً؛ لماذا؟ لأنه جاء فيها الفرع المرواني الأموي، والفرع المرواني أسوأ من الفرع السفياني على سوء الأول. ولعل ما يُنقل بين الفريقين من أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأى أن القردة تنزو على منبره، فعاش أواخر حياته حزيناً كئيباً، وقد أشار القرآن إلى ذلك بما ذكر عن الرؤيا التي أراها الله سبحانه وتعالى لرسوله؛ المقصود بها هذا، أن رسول الله عاش أواخر سنينه في حالة من الحزن لأنه رأى القردة تنزو على منبره، ورؤيا الأنبياء حق لأنهم لا يتلاعب بهم الشيطان.
تجلت هذه الرؤيا بشكل أوضح مع بداية الفرع المرواني في السيطرة على بلاد المسلمين وعلى خلافتهم. يزيد -لعنه الله عليه- بعد أن ارتكب ثلاث موبقات كل واحدة أكبر من الأخرى (وأكبرها قتل الحسين عليه السلام، وكذلك قصف الكعبة بالمنجنيقات، وفتح المدينة وإباحتها)، هلك بعد ثلاث سنوات، فانفرط العقد. سيطر مدة من الزمان على الأوضاع مروان بن الحكم لمدة ستة أشهر، وبعد ذلك استلمها ابنه عبد الملك، وبعد عبد الملك جاء الوليد بن عبد الملك ابنه، وبعدها جاء أخوه هشام بن عبد الملك. وكل واحد من هؤلاء كان أسوأ من الآخر وأشد غلظة على أهل البيت (عليهم السلام).
يكفيك في الفترة الطويلة التي عاشها الإمام (عليه السلام) ما بين عبد الملك وابنه الوليد، كان الآمر الناهي في العراق وما حولها الحجاج بن يوسف الثقفي، وأنتم تعرفون من هو الحجاج وماذا صنع، حتى قال بعض الزهاد والعلماء من غير شيعة أهل البيت: «لو جاءت كل الأمم بطغاتها وأشرارها وجئناهم بالحجاج لغلبناهم»! ليست شهادة من واحد مثلاً شيعي حتى يقال هذا يحدوه شيء من الحنق عليه، لا، وإنما من المدرسة الأخرى. رجل كان -وهذا الحجاج كما قال بعضهم- سيئة من سيئات أولئك، سيئة من سيئات عبد الملك بن مروان.
فعاش في هذه الفترة الإمام السجاد (عليه السلام)، وبطبيعة الحال لا بد أن يصطلي كما اصطلى غيره من العباد والزهاد والصالحين بما كان يجري من هذه الفئة الطاغية المسيطرة على حكم المسلمين.
دور الإمام السجاد في الإحياء العلمي والأخلاقي
الإمام (عليه السلام) بمقدار ما استطاع صنع شيئاً كثيراً وكبيراً. أشرنا في سنة مضت إلى أن الإمام السجاد (عليه السلام) من أعظم ما صنع أنه أعاد مذهب أهل البيت إلى حاضرة المسلمين بعد أن سعى أعداء المذهب إلى نفيه نفياً كاملاً، وإلى أن لا يُذكر في الحلقات العلمية ولا في الفتاوى ولا في العقائد، وأن لا يُذكر علي بن أبي طالب كواحد من أصحاب رسول الله، كواحد ممن يُؤخذ عنه العلم! حتى لقد قال بعضهم: «كنا إذا أردنا أن نروي الحديث عن علي كنا نقول: قال أبو زينب»؛ لماذا؟ لأنه يُعاقب الإنسان على أن يروي عن علي بن أبي طالب!
هذا الأمر تحول ببركات وجهود الإمام السجاد (عليه السلام) الذي صار محوراً للفقهاء، صار الرمز والعَلَم. فقهاء المدينة كانوا سبعة، كلهم كانوا تحت هيمنة الإمام السجاد (عليه السلام)، وحتى قيل إنهم لم يكونوا يخرجون إلى الحج حتى يخرج علي بن الحسين (سلام الله عليه) لما يعترضهم من مسائل وقضايا لا يجدون لها حلولاً إلا عند الإمام السجاد (سلام الله عليه). بل وجدنا الفقهاء المرتبطين بالدولة الأموية (قاضي القضاة مثل محمد بن مسلم بن شهاب الزهري الذي صار قاضي القضاة) هذا عَدَّ نفسه من تلامذة الإمام السجاد فيما استصعب عليه من القضايا والمسائل.
فعاد بواسطة الإمام السجاد (عليه السلام) منهج أهل البيت، فقه أهل البيت، كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) وفتاواه إلى حاضرة المسلمين. وبعد ذلك بالتدريج صار في أيام الإمام الباقر، وصار أكثر في زمن الإمام الصادق وانتشر العلم، لكن الذي فتح الباب وأعاد هذا المنهج والمذهب وعلياً (عليه السلام) إلى الأمة كان الإمام السجاد (صلوات الله وسلامه عليه). هذا واحد من الأمور التي تحتاج إلى تفصيل كثير وكبير، وقد ذكرنا شيئاً من ذلك لمن أراد التفاصيل في كتاب (سيد العابدين الإمام علي بن الحسين عليه السلام) لمن أحب أن يرجع إليه.