كلكم تعرفون أمره وقصته (صلوات الله وسلامه عليه)؛ كان في بداية العمر وعادة الإنسان في بداية عمره تشغله الدنيا ويرى زهرتها ويحب ما يرى فيها من الأشياء وتكون الحياة عزيزة عنده، لكن هذا عندما يسأله الحسين: "كيف ترى الموت عندك يا بني؟"، قال له: «فِيكَ وَاللَّهِ أَحْلَى مِنَ العَسَلِ!».
الموت صعب مر المذاق، ولكن إذا كان من أجل الحسين (عليه السلام) فإنه يصبح أحلى من العسل! لذلك جاء مستأذناً عمه الحسين، الحسين (عليه السلام) اعتنق ابن أخيه هذا وبدآ يبكيان! الرواية التاريخية تقول هكذا: اعتنقه وأخذا يبكيان! الحسين يبكي على ابن أخيه القاسم، والقاسم يبكي على وحدة عمه الحسين (سلام الله عليهما)، حتى وقعا على الأرض من شدة البكاء! ما هذا من بكاء الذي يخلي الحسين -وهو الرجل القوي المقاتل- لكن بهذا المقدار الذي كان يبكي على القاسم وقع معه على الأرض!
فلما صار هكذا قام القاسم مستأذناً إياه، وقال له الحسين: "اذهب إلى الخيمات وودع أمك وعماتك". فدخل القاسم، تصور في هذا العمر شاب ينتظر الجميع أن يقدم على حياته الزوجية وأن ينعموا بأن يفرحوا به، وإذا به يجهز نفسه لكي يُقتل بين يدي عمه الحسين!
(النخوة والنعاوي):
لَزْمَتْ رِكَابِ سِكَيْنَه عَمِّتِه ... بِحَالِقَتْ شَمَّه
وَمْنِ الخِدِرْ مَذْهُولَه ... طِلْعَتْ تْنَادِيهُمْ
يَا بْنِي جَاسِمْ هَالوَكِتْ ... حِيلَكْ لْعَمَّكْ ضُمّ
لِهَالْيَوْمْ أَنَا ذَاخِرْتَكْ ... بَالِكْ تُخِيبْ ظْنُونْ
هَزِّ الرُّمُوحْ وِتِجَنْ يَا ... وَالْدَه ادْعِي لِي
عَمِّي وَحِيدْ بِكَرْبَلاء ... عَمِّي وَحِيدْ بِكَرْبَلاء
المَنْ أَظُمّ مِنْ حِيلِي؟
رَايِحْ أَنَا يَا وَالْدَه مِنْ غَيْرِ مَا تِقْلِي لِي
ولكن أماه عندي وصية إليك:
شُبَّانْ لَوْ شِفْتِيهُمْ بِاللهِ ذَا ذِكْرِ شَبَابْ
مَحْرُومْ مِنْ شَمِّ الهَوَى مِنْ دُونِ كُلِّ أَصْحَابْ
ودع النساء، ودع أمه، وانطلق إلى الميدان وهو يقول:
إِنْ تُنْكِرُونِي فَأَنَا نَجْلُ الْحَسَنِ ... سِبْطُ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى وَالْمُؤْتَمَنِ
هَذَا حُسَيْنٌ كَالْأَسِيرِ الْمُرْتَهَنِ ... بَيْنَ أُنَاسٍ لَا سُقُوا صَوْبَ الْمَزَنِ
أخذ يقاتلهم قتال الأبطال. قال حميد بن مسلم: خرج علينا غلام كان وجهه فلقة قمر وفي رجليه نعلان، وهو يقاتل القوم ساعة إذ انقطع شسع نعله لا أنسى أنها اليسرى، فأهوى ليصلحه، أهوى عليه اللعين عمرو بن سعد الأزدي شاهراً سيفه فضرب القاسم على رأسه، فهوى إلى الأرض صريعاً يخور في دمه ويقول: «يَا عَمَّاهُ أَدْرِكْنِي!».
جاءه الحسين قتل قاتله وجلس عنده وهو يقول: «عَزَّ عَلَى عَمِّكَ أَنْ تَدْعُوَهُ فَلَا يُجِيبَكَ، أَوْ يُجِيبَكَ فَلَا يَنْفَعَكَ، صَوْتٌ كَثُرَ وَاتِرُهُ وَقَلَّ نَاصِرُهُ!».
بكى وناداه:
يَا جَاسِمْ شْبِيدِي ... يَا رِيتِ المَوْتْ قَبْلَكْ حَزّ وَرِيدِي
هَانْ لَكُمْ تِخْلُونِي وَحِيدِي ... عَلَى خِيَامِ العِدَا وَالخَيْلِ تِفْتَرّ
وجاء به ومدده ما بين إخوته بقدرهم يا ويلي وهم موتى:
بَسْ مَا سِمَعِ النِّسْوَانْ ... صَوْتِه اجْتِمَعْ تِصِيحْ اللهُ أَكْبَر
بُنَيَّ فِي لاَفَه خَلَّفْتَ ... وَالِدَةً تِرْعَانِ نُجُومَ السَّمَاءِ فِي اللَّيْلِ بِالسَّهَرِ