كيف تعدل زيارة الحسين حجات وعمرات؟
بسم الله الرحمن الرحيم
روي عن سيدنا ومولانا أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم (صلوات الله وسلامه عليه) أنه قال"أَدْنَى مَا يُثَابُ بِهِ زَائِرُ الحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلامُ) بِشَاطِئِ الفُرَاتِ إِذَا عَرَفَ حَقَّهُ وَحُرْمَتَهُ وَوِلاَيَتَهُ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ"
المقدمة الأولى: فلسفة الثواب والعطاء الإلهي
أورد الشيخ ابن قولويه القمي في كتابه (كامل الزيارات) أبواباً متعددة ذكر فيها أقساماً من الثواب والأجر الذي يحصل عليه زائر الحسين (عليه السلام). وهذه الأبواب اختلفت في تعابيرها وعدد المنازل التي تترتب على زيارة الحسين (عليه السلام) ومقدار الأجر الذي يصل إلى الزائر، لكن قراءة كل باب تشير إلى عظمة هذه الزيارة وإلى الثواب الكبير الذي يترتب عليها.
تارة الإنسان ينظر إلى هذه الزيارة والعطاء الإلهي مع أنها من الناحية الظاهرية لا تستغرق كثيراً من الأوقات ولا تستهلك كثيراً من الأموال، ومع ذلك تترتب تلك المثوبات العظيمة على مثل هذه الزيارة. وهي في هذا تشبه كثيراً مما ورد من مصادر المدرستين في إثابة الله عز وجل العامل بها مهما كان ذلك العمل بسيطاً وصغيراً، كأن يقول الإنسان "لا إله إلا الله" فيترتب عليه مثلاً من الآثار فله الجنة وأمثال ذلك.
وهذا قد بُحث في محله؛ أن عطاء الله سبحانه وتعالى لا يُقاس بالأعداد كما نقيسه نحن البشر، فنعتبر أن لكل شيء قيمة معينة بحيث إذا زادت زاد الثمن وزاد العطاء نتعجب منه. مثلاً أنت تذهب لكي تشتري قنينة ماء مثلاً قيمتها المتعارفة على سبيل المثال نصف ريال، فلو أعطى المشتري ١٠٠ ريال لها تتعجب! لماذا؟ لأن عندك حسابات معينة أن هذا له ميزانية خاصة وعنده مقدار معين من المال ولا بد أن يصرف بتعادل في هذا المكان وذاك المكان وإلا انتهت أمواله. بينما الباري سبحانه وتعالى لا تأتي هذه الحسابات عنده.
بالإضافة إلى ذلك كثير من القضايا لا يثاب عليها الإنسان بها مباشرة ليس بقيمتها، وإنما بما تعبر. عندنا مثلاً رواية صحيحة على كل المسالك"مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبِلَهُمَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُعَذِّبْهُ" هذا شيء قد لا يخطر بالبال أصلاً! واحد إذا يصلي ركعتين مقبولتين من الله يعطيه الجنة ولا يعذبه، والرواية معتبرة على كل المسالك. هذا لا يُنظر فيه إلى قيمة هاتين الركعتين الظاهرية من أنها تستهلك من الوقت مثلاً أربع دقائق أو من الجهد شيئاً بسيطاً أو ما شابه ذلك، وإنما بما تعبر عن طاعة الله والخضوع له وما شابه.
دمعة في جوف الليل يريقها الإنسان خوفاً من الله وشوقاً إلى ثوابه تطفئ بحاراً من نيران جهنم، إذا تقيسها بالمقاييس العادية لا معنى لهذا الكلام، ولكن إذا تقيسها بما تدل عليه وما هو وراء هذه الدمعة إلى أن خرجت في ذلك الوقت وعن تعبيراتها وخلفياتها سوف تجد أن الأمر طبيعي، لا سيما وأن الطرف المعطي هو من لا يختلف عنده الذرة عن المجرة. أنا وأنت وأمثالنا من الخلائق يختلف عندنا الريال عن المليون، لكن الباري سبحانه وتعالى لا يختلف الحال عنده بين ذرة لا تُرى بالعين المجردة وبين مجرة؛ كل الكواكب والأفلاك التي نراها وحولنا هي شيء واحد.
عرض روايات فضل الزيارة وتفسير تفاوت الأجر
على كل حال ضمن هذا الأمر إذا نظرنا إلى ما جاء من الثواب في مثل الحسين (عليه السلام) يكون الأمر أقرب إلى الفهم. سوف نستعرض بعض الروايات الواردة في هذا الباب ونشير إلى جهة هي مثار جدل لا سيما من قبل مخالفي المذهب والذين أحياناً يريدون أن يثيروا الغبار. فلنقدم بذكر بعض الروايات ثم نجيب على السؤال الذي عادة ما يُطرح من قبل مخالفي المذهب في خصوص زيارة الإمام الحسين (عليه السلام).