مسلم بن عقيل: ننصر رسلنا
قال الله العظيم في كتابه الكريم بسم الله الرحمن الرحيم: ”إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد“. آمنا بالله، صدق الله العلي العظيم.
حديثنا في هذه الليلة يتناول جانباً من مهمة سفير الحسين (ع) مسلم بن عقيل، والتي تحقق له فيها النصر. وقد يتساءل الإنسان: كيف يمكن أن يُدعى النصر لشخص خان به مجتمع الكوفة، وأُخذ أسيراً، وضربت عنقه، وأُلقي من القصر إلى التراب، وجُر في الأسواق؟ كيف يمكن أن يُدعى النصر لشخصية من هذا القبيل؟
أولاً، الآية المباركة في ظلالها الله سبحانه وتعالى يعطي ميثاقاً مؤكداً بتأكيدات لفظية متعددة، كما يقول علماء اللغة. فيقول أن ينسب الفعل إليه، وبصيغة الجمع، مع أنه يمكن أن يقول ”إني“، وهذا موجود في القرآن الكريم. ”إنا لننصر رسلنا“، اللام هنا علماء اللغة يقولون فائدتها التأكيد، ما لها فائدة أخرى غير التأكيد. وكان بالإمكان أن يقول ”إنا ننصر رسلنا“، لكن جاء باللام لتأكيد حالة النصر. ”إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا“، وهذا الخطاب موجه للمؤمنين.
قد يقول إنسان الرسل انتهى زمانهم، وخُتموا بخاتم الأنبياء محمد «اللهم صل على محمد وآل محمد». لكن الله سبحانه وتعالى يؤكد هذا العهد والميثاق بأن الأمر لا يختص فقط بالمرسلين المباشرين من الله عز وجل، وإنما ينصر السائرين على منهاجهم، وهم الذين آمنوا. ”إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا“، وين؟ ”في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد“.
يوم يقوم الأشهاد، يوم القيامة من الطبيعي أن الله سبحانه وتعالى هناك يحكم للمؤمنين في الجنة وينصرهم على أعدائهم ومخالفيهم الذين سيكون مصيرهم إلى النار، هذا طبيعي. لكن المهم في هذه الآية أنه يقول في الحياة الدنيا الآن، في هذه الدنيا قبل الآخرة مؤمنون منتصرون بعهد الله عز وجل المؤكد والموثق. ”إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد“.
يتساءل الإنسان: طيب إذا كان هذا وعد الله، والله لا يخلف الميعاد، كيف رأينا أن المؤمنين في أدوار التاريخ المختلفة حصلت لهم هزائم؟ قُتلوا، ذُبحوا، شُردوا، أُوذوا، فُتنوا في أموالهم وأنفسهم. كيف هذا ؟ الله من جهة يعطي ميثاق وعهد بنصرة الذين آمنوا في هذه الحياة قبل الآخرة، وفي المقابل إحنا نشوف إنه لا، حصل في زمان رسول الله حصلت هزائم، في زمان أمير المؤمنين كثير من المؤمنين قُتلوا، جُرحوا، صُلبوا. بعد زمان أمير المؤمنين (ع) كربلاء نفسها كلها قصة المأساة والدم والأسر والسبي، وين النصر في هذه الحياة الدنيا؟
يتبين من هذا أن النصر الذي هو عند الله سبحانه وتعالى يختلف عما هو في أذهان الناس، وإذا تعارض تعريف الباري سبحانه وتعالى للنصر مع فهم الناس، تبين أن هؤلاء الناس لا يفتهمون، الله هو العالم. وعباده الذين يعتقدون بأن هذه الأحداث التي جرت وتجري على المؤمنين، وأنه ظاهرها الهزيمة، ظاهرها القتل، ظاهرها الأذى، فيعتبرون هذا ليس نصر، نقول لهم غلطانين. وكمل القرآن الكريم هالتعابير: ”ولا تحسبن“، يعني لا تتصور هذا، تصورك تصور ماذا ؟ باطل ليس صحيح.
”ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً“، عمي ميت قدامنا، قدامنا لا ينبض فيه عرق، شبع موت! القرآن يقول لك، الله يقول لك غلطان، لا تحسب هذا، لا تتصور هذا التصور الباطل. ”ولا يحسبن الذين ظلموا أنهم سبقوا“، يتصور الظالمون بأنهم فازوا وأخذوا النصر؟ لا، سبحانه وتعالى يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، بل في هذه الدنيا هم مهزومون.
أحياناً يصير عند الإنسان عمى ألوان، عمى ألوان أحد الأمراض، عينه موجودة ولكن تشوف الألوان على غير صورتها الحقيقية. هناك بعض المفاهيم عند قسم من الناس عمى ألوان عندهم، يتصورون النصر هزيمة، ويتصورون الهزيمة نصراً. فيحتاج واحد يعدل ميزانه لكي يعرف ما هو النصر الذي يتحدث عنه القرآن الكريم. القرآن الكريم مو بس هذا الموعد، مواعيد كثيرة: ”وكان حقاً علينا نصر المؤمنين“. هذا حق من الحقوق، أمر ثابت جعله الله سبحانه وتعالى على ذاته المقدسة أن ينصر المؤمنين. ”إن الله يدافع عن الذين آمنوا“. إلا إذا واحد يكذب بعد القرآن الكريم! وها الآيات الكثيرة المتعددة، لو أردنا أن نتعرض إلى مفردة النصر في القرآن الكريم ومواعيد الله عز وجل فيها لوجدنا شيئاً كثيراً جداً.
فإذاً النصر يختلف في تعريف الله عز وجل عن تعريف سائر الناس، وبهذا المعنى اللي إحنا مطلوب منا أن نأخذ ماذا ؟ مو كلام الناس، وإنما نأخذ كلام القرآن، إنه كلام الله عز وجل. فأولاً، نصر المؤمنين في هذه الدنيا هو حق ثابت، وهو وعد مؤكد من الله عز وجل وميثاق لا مجال لتغييره. غاية الأمر واحد لازم يعرف ما هو ذلك النصر الذي جعله الله سبحانه وتعالى حقاً للمؤمنين في هذه الدنيا. ومن هنا سوف نعرف أن مسلم بن عقيل كان منتصراً، وأن الحسين كان منتصراً، وأن علياً كان منتصراً، وأن رسول الله محمد كان منتصراً «اللهم صل على محمد وآل محمد».
الانتصار بهالمعنى أن صاحب القضية المنصور لم يغير هدفه، لم ينهزم إيمانه، لم يتراجع في داخل عقيدته. قد يكون قُتل قتلة شنيعة، لكن قال: لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أفر فرار العبيد، أنا باقي على هذا المشوار. زين، من هنا ما ظفر من ظفر الإثم به، لم يظفر الطرف الآخر، قتل الطرف الآخر، سب الطرف الآخر، ارتكب الجرائم، ولكن يقول مولانا أمير المؤمنين (ع) في تشخيص قضية النصر والهزيمة والظفر وضده، يقول: ”ما ظفر من ظفر الإثم به“. إذا ذاك الطرف ارتكب المحرمات، ارتكب الغدر، ارتكب الخيانة، كان قريناً للإثم في حياته، اشتغل طول عمره مع الآثام، مع الغدر، مع الخيانة، هذا إنسان مو ظافر، مو منتصر، ما ظفر. يقول مولانا أمير المؤمنين: ”ما ظفر من ظفر الإثم به“. أنت تشوف هذا حدوده زمانه، كم عمره؟ كم عمره ٨٠ سنة ٩٠ سنة، هذا حجمه. وبعد ذلك يصبح لعنة التاريخ، بعد ذلك يصير نموذج لغلبة الشيطان على الإنسان، بعد ذلك تشوف حتى الأقربين منه ما يحبون ينتسبون له.
كم من الناس الآن يحبون الانتماء إلى بني أمية؟ لا تجد أحد حتى لو عندهم انتساب حقيقي ما يحب ينتسب إلى هذا. طيب هؤلاء كانوا خلفاء، أمراء، أغنياء، أثرياء، حكموا البلاد الإسلامية من سنة ٤٠ هجرية إلى سنة ١٣٠ هجرية، ١٠٠٠ شهر من الزمان كما في القرآن الكريم، حكموا البلاد الإسلامية طولاً بعرضاً، ملايين البشر تحت حكمهم، الآن ما في حتى ابنهم المباشر لا يرجو أن ينسب نفسه إلى واحد منهم. ولكن تعال شوف أهل البيت (عليهم السلام )، هذا اللي علق على صدره وسام يقول لك أنا أنتسب إلى الحسين بن علي بن أبي طالب. في السنة وفي الشيعة، حتى عند السنة الأشراف لهم منزلة عظيمة من ينتمي إلى أمير المؤمنين، من ينتمي إلى الحسن، من ينتمي إلى الحسين، من ينتمي إلى سائر الأئمة المعصومين. هؤلاء تجاوزوا زمانهم، عبروا الزمان. لكن ذاك الذي كان في الإثم والخيانة والفجور واللعب واللهو، حد لو طول هو حد عمره فقط، لو طول على أنه في زمانه أيضاً لا يُذكر، بمجرد أن ينتهي ينتهي ذكره حتى في زمانه.
مسلم بن عقيل سلام الله عليه بهذا المعنى، مع كل ما جرى عليه هو منتصر. ولذلك خلي بين قوسين، ولذلك إحنا ما نحتاج إلى أن نروح ندور في أخبار قد لا تكون صحيحة، قد لا تكون مؤكدة، لا، مسلم بن عقيل شن غارات كثيرة وحروب كثيرة، وما أدري حارب بمئات أو آلاف ضد ال ابن زياد. ما نحتاج إلى هذا. حتى لو أن مسلم بن عقيل بقي وحيداً فريداً، هذا ما يضر في شيء ولا يخدش في انتصاره شيئاً. ما نحتاج إلى نروح نشكل عملية، ما أدري، من الأنصار الكثيرين، والهجمات العسكرية المسلحة المتعددة، وكما قد يذهب إليه بعض الباحثين. ما نحتاج إلى هذا. كأن هذا يريد يقول إذا بقي مسلم وحده فهذا يتبين انهزم! تبين أن هذا لُعب عليه خانوا به! لا، هو هذا التفرد، هذا تفرد المؤمن، هذا وقوفه على الجادة التي لا يثبت عليها إلا من انتخبه الله عز وجل، وهم درجات. جماعة ما إجوا، إجوا وقت آخر ناصروه في زمان خلافته الظاهرية.
أن يكون مسلم بن عقيل قد خذله أهل الكوفة، وليس بدعاً عن هذا، كثير من الناس هم وراء المصالح، وراء الأهواء، وراء الشهوات. رسول الله (ص)
عانى من هؤلاء، أمير المؤمنين عانى من هؤلاء، الحسين نفسه خرج الحج، موسم الحج. يعني ما تتعجب إنت موسم الحج المجتمع الأكبر للمسلمين، والإمام يقول لهم: ”إني خارج غداً مصبحاً إن شاء الله“، بعدين يطلع وياه أهل بيته وجماعة وكذا. أقصى ما قيل أن الذين التحقوا بالحسين من مكة وفي الطريق، حوالي ٣٠ منطقة نزل فيها الإمام الحسين (ع)، أقصى ما قيل، قيل ١٠٠٠ واحد قبل ما يوصل إلى كربلاء بمسافة، تقلص هذا العدد إلى حوالي ١٠٠ شخص. زين الحسين (ع) سيكون مهزوماً؟ سيكون مقصراً بناءً على ذلك؟ كلا. مسلم أيضاً هكذا.
أنا أريد أن أنبه حول هالموضوع، ليش؟ لأن هناك اتجاهان متعارضان تماماً. اتجاه يعني يريد أن يسب الشيعة في الكوفة، وهذا تاريخياً موجود، فيقول الشيعة كلهم غدرة، خونة، لا يفون لأحد، وشاهدوا ذلك جماعة مسلم بن عقيل، تركوه في نصف الطريق. هذا قسم، وهو كلام باطل. حتى قالوا يعني في الخط المضاد لشيعة أهل البيت طلعوا أمثلة أن ”الكوفي لا يوفي“ وإلى غير ذلك. لعلك تقول ليش أمير المؤمنين إذاً ذمهم؟ الإمام أمير المؤمنين ذم منو؟ الذين كانوا في الكوفة أكثرهم من خارج الكوفة. الكوفة تأسيسها سنة ١٧ هجرية، وجاء إليها، جاءت إليها القبائل، قبائل اليمن، قبائل عدنان، من مكة، من المدينة، من الطائف، من سائر الأماكن، ومن اليمن أيضاً. فإذا تريد تحكي عليهم تحكي على كل هالجمع هذا. فهذا قسم.
قسم آخر اللي لا، وهو يعني ربما ممن يكون من أهل هذه المنطقة يريد تبرئة وتنزيه أهل الكوفة تماماً، واعتبارهم أنهم فوق كل شيء، وأنه بالتالي هم نصروه وما خذلوه وحاربوا وياه، وشنوا حروب على بني زياد والسلطة الأموية. لا هذا معه الحق ولا هذا معه الحق.
ولا يضر مسلماً أن يخذله أحد إذا لم يستطع أن يواصل مشوار الحق. إحنا لازم نأخذ أخذ عبرة وعظة أنه إذا اشتدت الفتن، إذا اشتدت الضغوط علينا، نبقى ثابتين على منهج الله ومنهج أوليائه، أو لا ننصرف؟ ما لنا ولهذه الأمور، اترك هذه القضايا. هذا امتحان، ألا من الممكن أن يصير؟ مسلم بن عقيل، في إشارة سريعة إلى شيء من حياته، على الرأي الراجح الذي يذهب إليه السيد المقرم «السيد عبد الرزاق المقرم»، أحد علمائنا الكبار، عنده مجموعة من الدراسات الحسينية المفيدة، وهو كان من الآيات، وقد سخر قدرته العلمية في الجانب التاريخي، وعنده كما قلت عدد من الكتب حول كربلاء وأبطالها، حول علي الأكبر، حول مسلم بن عقيل، حول غيرهما، ومطبوعة. رأيه أنه وُلد في السنة الثامنة للهجرة، وهذا الرأي أقرب من رأي غيره الذي ذهب إلى أن مسلماً ولد في سنة ٢٢ هجرية. إذا كان في السنة الثامنة للهجرة معنى ذلك أن الإمام الحسين (ع) أكبر منه سناً بنحو ثلاث سنوات وشيء. وتزوج مسلم ابنتين للإمام أمير المؤمنين (ع)، بعد أن ماتت الأولى تزوج الثانية، وتربى في ضمن هذه الرحاب.
وقد ورد في بعض الروايات أن نبينا محمداً «اللهم صل على محمد وآل محمد» قال لعقيل: ”إني لأحبك حبين؛ حباً لأن أبا طالب كان يحبك“ «الولد الأكبر بعد اللي بقى مع أبي طالب عقيل، وكان بمثابة العضد ماله واليمين، فأبو طالب لما يحبك أنا أحبك لحبه، وهذه من أدلة إيمان أبي طالب، وأن النبي كان يتقصى ما يحبه أبو طالب، زين واحد». ”حُبين؛ حباً لأن أبا طالب كان يحبك، وحباً لأن ولدك ينصر ولدي الحسين في كربلاء“. قضية كربلاء راح يكون الناصر والشهيد الأول في هذه المعركة، في هذه المواجهة هو مسلم ابنك، فأنا لأجل ذلك أيضاً أحبك. فقد أخبر بناءً على هذه الرواية النبي (ص) عن شهادة مسلم بن عقيل قبل حدوثها بنحو من ٥٠ سنة من الزمان تقريباً تحدث فيها النبي (ص).
لما تلاحقت الأحداث وجاء الإمام الحسين (ع) إلى مكة المكرمة ونزل فيها، جاءت رسائل أهل الكوفة. منها ما هو صادق، ككثير من رسائل مخلصي شيعة أهل البيت. ومنها من كان يريد أن يتصيد، مثل حجار بن أبجر وابن الأشعث وفلان، هؤلاء قالوا لعل الريح تصير هالصوب إحنا يكون عندنا أيضاً يد عند الحسين وقلنا له ترى بايعناك، فإذا ولينا ولاياتك وقربنا في مقامك. فجاءت الرسائل مختلفة. الإمام الحسين (ع) لم يقدم على الأمر هكذا، وإنما أراد أن يرسل شخصاً ثقة، أميناً، مدبراً، يستطيع أن يعرف الوضع ويكتب إليه بما يرى على الأرض. وبالفعل، في يوم الخامس عشر من شهر رمضان، الإمام الحسين وصل حوالي ٣ شعبان إلى مكة، بقي فيها نهاية شعبان، في هالأثناء جاءت الرسائل، ١٥ يوم من شهر رمضان أيضاً مر، فأرسل الإمام الحسين (ع) وأخبر مسلماً بأن يمضي إلى الكوفة وأن يستطلع الوضع. ”رائد“، هذا يسمونه الرائد لا يكذب أهله، واحد اللي عنده خبرة، عنده حنكة، عنده تعقل، عنده فهم بالظروف الاجتماعية، يصير هذا رسول الحسين (ع) حتى يأخذ نتيجة هذا الأمر.
وكتب معه هذه الرسالة المعروفة: ”أما بعد فإني باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي، مسلم بن عقيل. فإن كتب إلي أنه قد اجتمع رأي ملئكم وذوي الحجى منكم على مثل ما قدمت به كتبكم ورسائلكم، كتب إلي حتى أقدم وشيكاً إن شاء الله“.
مهمة تبين الوضع، مأمور بالمواجهة في الحالة الطبيعية؟ ما مأمور بالانقلاب بالثورة، وإنما هو مأمور ضمن الظروف العادية أن يخبر الحسين عما جرى وعما يجري وما يحدث بالفعل. مسلم راح اختار مكان أفضل الأماكن، ومارس سياسة هي أفضل السياسات.
البعض يقول إنه أول ما نزل نزل في دار المختار بن أبي عبيدة الثقفي. إذا هذا صحيح ليش اختاره مسلم بن عقيل؟ لأن المختار هو صهر والي الكوفة النعمان بن بشير، زوجاته هي بنت النعمان بن بشير الأنصاري، اللي هو والي الأمويين على الكوفة. فهذا إذاً مكان أمان لا يمكن أن يُقتحم موقع المختار، أيضاً وشخصيته تساعد على ذلك. قسم آخر قالوا إما نزل في دار مسلم بن عوسجة من البداية، أو انتقل إليها بعد دار المختار. وأخذ مسلم بن عوسجة وسائر شيعة أهل البيت (عع) يتباشرون فيما بينهم عن قدوم مسلم، وأن عليهم أن يبايعوه عن الحسين (ع). وصار الترتيب بحيث كل فئة يبايع عنها رئيسها وكبيرها إن لم يتمكنوا بشكل شخصي، حتى اجتمع عنده عدد كبير جداً. تغير الأمر كله، كأنما كان في ذاك الوقت مسلم بن عقيل بعد أن رأى هذا الأمر، كتب رسالة إلى الحسين (ع) يخبره عن الأوضاع أنها أوضاع مبشرة بالخير.
تغير الأمر عندما أشار سرجون الرومي، وهو مستشار كان لمعاوية بن أبي سفيان مسيحي، بقي على مسيحيته إلى أن مات. فأشار سرجون على يزيد بأن يجعل عبيد الله بن زياد على الكوفة بالإضافة إلى البصرة، هو والي البصرة فقال له ضم الكوفة إليه وأطلق يده في ذلك. وهو عبيد الله بن زياد أيضاً كان يريدها من الله حسب التعبير، لأنه كان يطمح إلى الخلافة، ما صارت له، لا أقل يأخذ العراق بكامله. فأرسل إليه رسالة، أي يزيد، وعينه والياً على الكوفة بالإضافة إلى البصرة، ونزل إلى الكوفة بسرعة. وعندئذ حسب التعبير أعلن الأحكام العرفية، شغل نظام العرفاء. والعرفاء أشبه بنظام مخابرات، كل قبيلة لها عريف يتصل بالسلطة الأموية ويعرف أشخاص هذه القبيلة، واحد واحد. فاستجلب هؤلاء، وطلب منهم ضبط من هم في عرافتهم تحت تهديد القتل إذا خرج أحد مع مسلم بن عقيل. تطورت الأحداث بما تعلمون.إحنا نلاحظ أن من معالم النصر عند مسلم بن عقيل اللي تحدثنا عنها قبل قليل، أن رجلاً يأتي إلى الكوفة ويصل إليها بعد ٢٠ يوم، من ١٥ شهر رمضان إلى ٥ شوال وصل، ويبقى فيها من ٥ شوال إلى ذي الحجة، يعني نحو ثلاثة أشهر، طيب؟ مع ذلك لا يجمع فلساً واحداً. استشهد مسلم بن عقيل وهو مديون ب ٧٠٠ درهم! هذا هنان النصر، هذا اللي يبقى للتاريخ، هذا اللي لازم يقتدي به الناس. مو إذا واحد إجا وصار متولي على ما أدري، ولاية، على وزارة، على إدارة، على شركة، على مؤسسة، على جمعية، تشوفه أكثر تخطيطه كيف يأخذ الفلوس والأموال من هذه ويستفيد! رجل علوي، يبقى ثلاثة أشهر في هذه البلدة والكل بايعه ويموت، يستشهد وعليه دين ب ٧٠٠ درهم! اللي يقول إلى بعض من كان حاضراً أن يبيع سيفه ودرعه ويسدد بقيمة هذا السيف وذاك الدرع. هذا هو الانتصار.
الانتصار هو عندما يُحكّم الأخلاق وعنده فرصة. عنده فرصة، عبيد الله بن زياد «لعنة الله عليه» جاء لزيارة شريك بن عبد الله وأيضاً في دار هاني المرادي، زين؟ والآن وقته يطلع، في دار هاني مسلم بن عقيل موجود، فرصتها الآن، هو قاعد، اطلع عليه بسيفك وضربه على رأسه وانتهى الموضوع! وأكثر من يتعاملون بالقضية السياسية ولا حريجة لهم في الدين والأخلاق يشوفوا هذا هو عين العقل، هذا هو النصر! لكن هو يقول لا، رسول الله يقول: ”الإيمان قيد الفتك“. أنا إنسان مؤمن لا أغدر، أنا إنسان مؤمن ملتزم بالآداب الدينية ولو الغدر يجر إلي مصلحة، ولو الغدر يجيب لي المال، يجيب لي السلطة، لكن الإيمان قيد الفتك فلا يفتك مؤمن. هذا هو المبدأ الذي يبقى مع الزمان ويتجاوز التاريخ، وإلا الأشخاص اللي يفتك يغدر يخون يسلب، هذا ما أكثرهم،طيب. ولكن هذا الذي يحجزه دينه، ويربطه إيمانه عن أن يغدر بغيره ويخون غيره حتى لو جر له ذلك الربح، هذا هو الانتصار. الانتصار في الالتزام الإيماني والأخلاقي بأعلى الدرجات.
جيبوه، وقد ضربت شفته وكسرت ثناياه، يقربون إليه الماء وكان عطشاناً. فلما يشوف المي قد جرى فيه الدم، يشوف أن هذا ماء ملوث بالدم، يعني زين ما متوقفة الحياة على هذا. لو كانت يعني حياة الإنسان يفترض أن تستمر وتتوقف على ارتكاب أمر محرم، يجوز له من باب الضرورة. لكن هذول مو طلاب حياة، ويدري أنه بعد ساعة هو مضروب رأسه، فليش يأخذ من نفسه هذه الرخصة؟ هذا يتمثل بأعلى درجات القيم والأخلاق والفضائل. هذه القضايا التي تبقى، هذا النصر اللي يتجاوز التاريخ. هذا الكلام اللي الآن إحنا نذكره بعد ١٤٠٠ سنة ونحو ذلك، ويبقى كمثل أعلى، يبقى محل الإعجاب والإكبار. ويتمنى الإنسان لو يقدر يطبق هذا، وين هذا؟ وين الإنسان اللي يأخذ نفسه بالرخص؟ تسوى وما تسوى، هاي تفلت حجابها من أجل كذا، وذاك يفلت صلاته من أجل كذا، وهذا يفلت صومه من أجل كذا. وين هذا ووين ذاك؟ ذاك هو النصر الذي يعطيه الله لأوليائه، بس ثمنه غالي أيضاً، لذلك هؤلاء الناس قلة.
هؤلاء الناس قلة أيها الأحباب، أيتها المؤمنات. اللي يتنازل عن عقائده وإيمانه ودينه كثيرون، لكن أمثالكم بحمد الله وتوفيقه لا تتنازلون عن ذلك فتكونون من القلة الملتزمة، ومن القلة التي تقتدي بهؤلاء الأبطال.
تغيرت الأمور كلها، جاء عبيد الله بن زياد «لعنة الله عليه» وحوّل المسألة إلى معركة. ذاك النعمان بن بشير أرسل إلى مسلم رسالة أنه: ”أنا كاف عنك ما كففت عني، ما دام ما تحاربني ما أنا أحاربك“. هذا الرجل عبيد الله بن زياد ما يفهم هذا الكلام، يفهم هذا، عقليته عقلية الحقد. يقول إلى عمر بن سعد: ”فإذا قتلت الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره بعد قتله“. هذه نفسية مريضة، يقول لك أنا أدري أنه هذا ما يضر في أمري شيء لأنه يكون قد مات في ذاك الوقت، ولكن على شيء كان في نفسي، أنا في نفسي فد عقدة لازم أطلعها! زين، هذا الآن يواجه منو؟ مسلم بن عقيل.
فأعلن الأحكام العرفية، وندب الناس جميعاً، من يستطيع القتال أن يخرج لحرب الحسين (ع). وأما في داخل الكوفة، ماكو أحد يتجول أبداً. حتى أن رجلاً غريباً عن الكوفة جاء لكي يتقاضى ديناً له على بعض أهل الكوفة، جابوه. الله شلون تمشي في الطريق وقد سبق أمر الأمير؟ قال لهم أنا ما أدري لا أمير ولا مأمور، ولا أنا من أهل الكوفة ولا أدري شنو القضية الموجودة، أنا جئت حتى آخذ دين. جابوه إلى ابن زياد، قالوا له هذا هالشكل يقول. قال: ”أظنه صادقاً ولكن اضرب عنقه حتى يكون عبرة لغيره“. يعني راح يقولون الناس هذا إذا ما دخل في الموضوع قتله، فكيف إذا كان من أهل الكوفة؟ هالشكل تغيرت الأمور. هنا يثبت الثابتون أو يتخاذل المتخاذلون عن الإيمان. إيمان ترى هذا مو بس أهل الكوفة إحنا يومياً في امتحان في الإيمان هكذا. لا تتصور أن امتحانات الإيمان كانت لزمان دون زمان، هي امتحانك يومياً وامتحاني يومياً وامتحاننا جميعاً بشكل يومي لكن تختلف العناوين. فشوف أنا ماذا أصنع وشوف أنت ماذا تصنع وشوفنا إحنا ماذا نصنع.
مسلم بن عقيل واصل مشواره، ذهب إلى المسجد مع انفراد الناس عنه خوفاً ورعباً ورغبة في أموال السلطة، ولكن مع ذلك استمر على ذلك، وذهب للصلاة، وصلى خلفه جماعة. وحاول أن يجمع جماعة للمواجهة لكن لم يمكن، لأن الإرادات قد خارت والعزائم قد تفلتت. وبقي مسلم بن عقيل وحيداً فريداً.
مو غريب عليه أن يكون فريداً، فهو فريد في صفاته. مو غريبة عليه أن يكون غريباً، فساداته كانوا هم الغرباء، وطوبى للغرباء. فبقي في ذلك المسجد، قيل أنه التفت خلفه فلم يجد أحداً بعد انتهاء صلاة العشاء. قام من ذلك المكان، الأبواب كلها مغلقة في وجهه، بأبي وأمي، وهو ما عنده دار خاصة، ولا عنده أهل، ولا عنده جماعة. أخذ يتمشى في أزقة الكوفة بحيث لا يرصده أولئك الأعداء، حتى بلغ منه التعب مبلغه ووقف على باب دار، هي دار طوعة. طوعة هي الرجل الوحيد في الكوفة في ذاك الوقت!
وقف على باب دار طوعة، وهي جارية للأشعث بن قيس. سبحان الله كيف يخرج الله الحي من الميت، هذا البيت كل بيت خيانة، فكيف خرجت فيه هذه؟ وكيف تربت فيه هذه؟ وكيف عاشت؟ كما كان بالنسبة إلى امرأة فرعون، امرأة صالحة. استضافت مسلم بن عقيل. خرجت وهي تترصد ولدها، وكان يسمى بلال، وهو شاب عابث فاسد. بس تدري بعد بالتالي أم، وهذه حنان الأمهات، الله يخلي أمهاتنا ويرحم الماضيات منهن. ولذلك يوصى الإنسان بأمه يوماً بعد يوم، حتى مع انحرافه هي قلقة عليه، هي تخاف أنه لا يكون صار إلى الشيء. فتطلع وتنظر إلى الشارع وإذا بها ترى رجلاً قد جلس على عتبة دارها.
تصور مسلم بن عقيل من هذه الذرية النبوية، قمة الشرف، ذروة العلياء، أمس المحظوظ من يأتي لكي يسلم عليه بتسليم الإمارة، والآن عطشان بأبي وأمي، وغريب بأبي وأمي وما عنده مكان يلجأ إليه! جلس على باب الدار. خرجت هذه المرأة، نظرت إليه، قالت له: ”يا عبد الله، ما جلوسك على باب داري؟ انهض فإني لا أجيز لك الجلوس على باب داري“. عجيبة امرأة تقول للأمير أنا ما أجوز إلك، مو تدخل داخل البيت، لا حتى على العتبة من الخارج ما أجوز إلك هذا الأمر! قال لها: ”والله أنا غريب وعطشان، فهل لي من شيء من الماء؟“ قالت له: ”بلى، الماء لا يمنع طالبه“. دخلت إلى داخل الدار، جاءت بالماء، أخذ الماء شربه وظل جالساً.
”لم لم تنهض يا هذا؟“ قالت: ”شربت ماي لا توقف على الباب. شربت الماي لا توقف على الباب، كأنك غريب وشوفك يا شهم تنهاب، وقوم أهلك النجم غرب والقمر غاب“.
يقول لها وعينه مستديرة: ”أنا لا أهل عندي ولا عشيرة، ومثل حيرتي ما جرت حيرة، أنا مسلم الفاقد نصيره“.
أدخلته دارها، أفردت له مكاناً خاصاً. ظل ليلته تلك يعبد الله قائماً وقاعداً وراكعاً وساجداً. قربت إليه الطعام، لم يأكل، يريد يفد على الله وهو خميص البطن بأبي وأمي. وظل هكذا. عندما جاء ابنها اللعين عرف أن في الدار طلبة، فذهب وأخبر محمد بن الأشعث، وكان قد جلس مع ابن زياد. ما إن أصبح الصباح وطلع الفجر، عظم الله أجوركم، إلا والخيل والرجال يحيطون بالمنزل. خرج إليهم مسلم بن عقيل، أخذ يقاتلهم قتال الأبطال. كان يأخذ الفارس من على ظهر فرسه ويجلد به الأرض.
وطاحت تصيح من السطح: ”ش هالكسرة يا ريتك حضرت تشوف يا شيخ العشيرة، ابن عمك الموثوق طايح بالحفيرة، قادوه مثل الطير مكسور الجناح“.
أحاطوا بمسلم بن عقيل من كل زاوية ومكان، وهو يقاتلهم قتال الأبطال. ناداه اللعين ابن الأشعث: ”أنت آمن“. قال: ”لا أمان لكم“. وجاء اللعين حمران فضربه بالسيف على وجهه، فشطر شفته، وألقى ثنيته، وندر سيفه من يده. لما طاح سيفه أخذ المسلم يبكي لأنه فقد النصير. أُوثق كتافاً وأُخذ إلى قصر بن زياد. لما دخل عليه لم يسلم. قالوا له لم لا تسلم على الأمير؟ قال: ”ما هو لي بأمير، أميري حسين“.
عندها أمر أن يصعد به إلى سطح القصر. وطلب في هذه الحال ماء، فجيء له بشيء من الماء وأراد أن يشرب، فتساقطت ثناياه في القدح وسال الدم فيه. فقال: ”لو كان من الرزق المقسوم لشربته“. أجل، أراد الله أن يواسي الحسين في عطشه كما واساه في غربته. وصعد به إلى أعلى القصر، وجه وجهه ناحية الحجاز. أنا وأنت نسلم على الحسين بسلام مسلم: السلام عليك يا أبا عبد الله، السلام عليك يا ابن رسول الله، السلام عليك يا ابن فاطمة الزهراء. إن أهل الكوفة قد غرونا وخذلونا ولم ينصرونا. ما إن سمع اللعين هذا الكلام إلا وقد رفع سيفه وضرب مسلماً على حبل عاتقه.
أين المنادي ومسلماه وسيداه ومظلوماه؟ وألقيت جنازته من أعلى القصر إلى التراب، وأخذ القوم يجرونه في الأسواق. أيوامسلماه.