مسلم بن عقيل واصل مشواره، ذهب إلى المسجد مع انفراد الناس عنه خوفاً ورعباً ورغبة في أموال السلطة، ولكن مع ذلك استمر على ذلك، وذهب للصلاة، وصلى خلفه جماعة. وحاول أن يجمع جماعة للمواجهة لكن لم يمكن، لأن الإرادات قد خارت والعزائم قد تفلتت. وبقي مسلم بن عقيل وحيداً فريداً.
مو غريب عليه أن يكون فريداً، فهو فريد في صفاته. مو غريبة عليه أن يكون غريباً، فساداته كانوا هم الغرباء، وطوبى للغرباء. فبقي في ذلك المسجد، قيل أنه التفت خلفه فلم يجد أحداً بعد انتهاء صلاة العشاء. قام من ذلك المكان، الأبواب كلها مغلقة في وجهه، بأبي وأمي، وهو ما عنده دار خاصة، ولا عنده أهل، ولا عنده جماعة. أخذ يتمشى في أزقة الكوفة بحيث لا يرصده أولئك الأعداء، حتى بلغ منه التعب مبلغه ووقف على باب دار، هي دار طوعة. طوعة هي الرجل الوحيد في الكوفة في ذاك الوقت!
وقف على باب دار طوعة، وهي جارية للأشعث بن قيس. سبحان الله كيف يخرج الله الحي من الميت، هذا البيت كل بيت خيانة، فكيف خرجت فيه هذه؟ وكيف تربت فيه هذه؟ وكيف عاشت؟ كما كان بالنسبة إلى امرأة فرعون، امرأة صالحة. استضافت مسلم بن عقيل. خرجت وهي تترصد ولدها، وكان يسمى بلال، وهو شاب عابث فاسد. بس تدري بعد بالتالي أم، وهذه حنان الأمهات، الله يخلي أمهاتنا ويرحم الماضيات منهن. ولذلك يوصى الإنسان بأمه يوماً بعد يوم، حتى مع انحرافه هي قلقة عليه، هي تخاف أنه لا يكون صار إلى الشيء. فتطلع وتنظر إلى الشارع وإذا بها ترى رجلاً قد جلس على عتبة دارها.
تصور مسلم بن عقيل من هذه الذرية النبوية، قمة الشرف، ذروة العلياء، أمس المحظوظ من يأتي لكي يسلم عليه بتسليم الإمارة، والآن عطشان بأبي وأمي، وغريب بأبي وأمي وما عنده مكان يلجأ إليه! جلس على باب الدار. خرجت هذه المرأة، نظرت إليه، قالت له: ”يا عبد الله، ما جلوسك على باب داري؟ انهض فإني لا أجيز لك الجلوس على باب داري“. عجيبة امرأة تقول للأمير أنا ما أجوز إلك، مو تدخل داخل البيت، لا حتى على العتبة من الخارج ما أجوز إلك هذا الأمر! قال لها: ”والله أنا غريب وعطشان، فهل لي من شيء من الماء؟“ قالت له: ”بلى، الماء لا يمنع طالبه“. دخلت إلى داخل الدار، جاءت بالماء، أخذ الماء شربه وظل جالساً.
”لم لم تنهض يا هذا؟“ قالت: ”شربت ماي لا توقف على الباب. شربت الماي لا توقف على الباب، كأنك غريب وشوفك يا شهم تنهاب، وقوم أهلك النجم غرب والقمر غاب“.
يقول لها وعينه مستديرة: ”أنا لا أهل عندي ولا عشيرة، ومثل حيرتي ما جرت حيرة، أنا مسلم الفاقد نصيره“.
أدخلته دارها، أفردت له مكاناً خاصاً. ظل ليلته تلك يعبد الله قائماً وقاعداً وراكعاً وساجداً. قربت إليه الطعام، لم يأكل، يريد يفد على الله وهو خميص البطن بأبي وأمي. وظل هكذا. عندما جاء ابنها اللعين عرف أن في الدار طلبة، فذهب وأخبر محمد بن الأشعث، وكان قد جلس مع ابن زياد. ما إن أصبح الصباح وطلع الفجر، عظم الله أجوركم، إلا والخيل والرجال يحيطون بالمنزل. خرج إليهم مسلم بن عقيل، أخذ يقاتلهم قتال الأبطال. كان يأخذ الفارس من على ظهر فرسه ويجلد به الأرض.
وطاحت تصيح من السطح: ”ش هالكسرة يا ريتك حضرت تشوف يا شيخ العشيرة، ابن عمك الموثوق طايح بالحفيرة، قادوه مثل الطير مكسور الجناح“.
أحاطوا بمسلم بن عقيل من كل زاوية ومكان، وهو يقاتلهم قتال الأبطال. ناداه اللعين ابن الأشعث: ”أنت آمن“. قال: ”لا أمان لكم“. وجاء اللعين حمران فضربه بالسيف على وجهه، فشطر شفته، وألقى ثنيته، وندر سيفه من يده. لما طاح سيفه أخذ المسلم يبكي لأنه فقد النصير. أُوثق كتافاً وأُخذ إلى قصر بن زياد. لما دخل عليه لم يسلم. قالوا له لم لا تسلم على الأمير؟ قال: ”ما هو لي بأمير، أميري حسين“.