الرفق والسلام عنوان الدين

لي فيه , فلو كان خرابا ومررت به لم أعدم رخامة أو خشبة أو مسمارا أبيعه وأتقوت بثمنه , أوَما علم أمير المؤمنين رعاه الله قول الشاعر : اذ لم يكن للمرء في دولة امرىء نصيب ولا حظ تمنى زوالها وما ذاك من خبث به غير انه تمنى سواها فهو يهوى انتقالها وهذا التبسيط للمسألة صحيح ، فإن الشخص إذا لم يحصل على ما يتمناه في ظل دولة معينة ، فإنه يتمنى أن تزول هذه الدولة وأن يكون في ظل دولة أخرى حتى يحصل على ما يريد ، وليس ذلك لجهة خباثته أو سوء نفسه .فهذا مثل أن يقول الشخص : اللهم غيّر سوء حالنا ..فإنه يطلب مكانا جديدا ودولة جديدة ووضعا جديدا ..هذه الحادثة تشير إلى هذا المعنى .والمفروض

أن لا يعاقب هذا القائل لأجل تمنيه زوال القصر أو خرابه ! ثم إن بعض الناس يتصور أن موقع الأخلاق في الإسلام هو موقع كمالي وإضافي والحال أنه ليس كذلك ، بل لو أردنا أن نصور الإسلام كجسم ..يمكن أن نقول أن الإيمان هو القلب والأحكام هي الأعضاء والجوارح كاليد والرجل وأما الأخلاق فهي الدم المتحرك بين القلب وبين الأعضاء . لقد قال الرسول (ص) ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ).ومن ذلك يتبين أن موقع الأخلاق ليس كماليا، وإنما هو موقع إستراتيجي مهم ، وقد ذكرنا في موضع آخر كيف أن العدل يدخل في القضية الإعتقادية ويدخل في السلوك الشخصي ويدخل في الحركة الاجتماعية ويدخل في المسألة الفقهية.. الرفق طريق سالكة في العبادة والمجتمع الرفق أيضا هو من هذا

القبيل كما سيتبين بعد قليل فهو مطلوب بالنسبة للآخرين ، ومطلوب في العبادة ، ومطلوب في معالجة الأمور المختلفة وحل القضايا المعقدة . فحتى العبادة مع أنها هي المقربة إلى الله يقول لك توسط فيها ، ولا تقسر نفسك عليهاـ في المستحب ـ لا تجبرها عليه بل ارفق بها وخادع نفسك في العبادة ..هذه وصية الإمام أمير المؤمنين (ع) للحارث الهمداني . إن الرفق بالنفس في أمر العبادة يجعلها تقبل عليها بشكل دائم ، وإما لو قسرها على المستحبات ، وكانت النفس في إدبار ، فإنه لا يؤمن أن تسأم النفس العبادة ! عندما يريد أمير المؤمنين  أن يذم الخوارج فإنه لا يذمهم بعدم عبادتهم (!) كيف وقد سبق أن ذكرنا أنه ما من صاحب بدعة إلا وهو كثير

العبادة ، ولكنه يذمهم بشيء آخر وهو : انعدام الوعي والتعقل فيقول له : ( وأنتم معاشر أخفاء الهام سفهاء الأحلام ) فهذه الهامات والرؤوس فارغة ، ليس فيها شيء ، والعقول والأحلام سفيهة ! مع أن عبادتكم كثيرة ..لكن المهم هو هذا الجانب السلام قيمة أخلاقية حضارية : من المفردات الأخلاقية التي يؤكد عليها ـ تبعا لدورها ـ مفردة السلام ، ولو تأملنا فيها لوجدنا أنها تبدأ من الله وتمر بالعباد وتنتهي بيوم القيامة ؛ فالله هو السلام ومنه السلام وإليه يرجع السلام . إن قليلا من الصفات وردت بنحو المصدر، فإنه قد جاء في القرآن الكريم أن الله ملك وقدوس ، ومهيمن وعزيز وجبار ، وهذا طبيعي أن توصف الذات بصفة ، ولكن أن توصف بالمصدر فهو قليل

، وقد جاء في وصف الذات الالهية أنه ( السلام ) ( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) . كما وردت هذه الكلمة في وصف ليلة القدر وأنها ( سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) .. وورد أن تحية الملائكة لأهل الجنة هي السلام ( سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) مثلما أن التحية الرسمية للمسلمين في الدنيا هي ( السلام عليكم ) . إن هذه التحية بما تحمل من أبعاد لتشير إلى معنى أن الإسلام يريد أن يشيع السلام في العالم وبين الناس جميعا .فهذه التحية عندما يلقيها الانسان المسلم على من يمر عليه يعلن السلام معه ، وأن العلاقة التي تربطني بك ليس علاقة جرب

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٢

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة