(لا يضر المرء بعد المعرفة ما عمل ) فإذا كانت معرفته بربه وبنبيه وإمامه تامة لا يضره آنئذ أن يكون عمله في الخير كثيرا أو كان عملا قليلا مقاربا .. أما من كان صاحب تنطع في دينه ، فإنه كلما زاد اجتهادا في العبادة زاد بعدا ، وذلك أنه يرى نفسه لا سواه ، ويضلل عامة الناس ممن ليس على رأيه ويستكبر عليهم ، بل ربما كاد لهم ، واعتدى عليهم كما نجد هذا عند كثير من أصحاب هذه المناهج . ولأجل هذا الدور الذي يمثله الوعي والمعرفة في تقدمه على العمل والعبادة كان من الأدعية المهمة المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام ويدعى به في هذا الزمان (اللهم عرفني نفسك فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف رسولك اللهم
عرفني رسولك فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك اللهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني ) . ومن مظاهر هذا المنهج تكفيرهم المسلمين : فإن المسلم المخالف لهم في حكم المشركين والكفار ، والدار التي يكون إمامها كافرا ( ولهم مقاييس خاصة في التكفير ، فإن من حكم بحكم غير شرعي فهو كافر ، ومن ارتكب معصية كبيرة فهو كافر ) هذه الدار دار كفر ولا بد من هجرتها ، وهذا ما يشير إليه الامام  في خطابه لهم ، فيقول أنه لو فرضنا ان الامام ضال فلم تضللون الأمة بتبعه ؟ ولم تكفرونها بذنبه ـ لو كان مذنبا ـ ؟ ويرتبون أحكام الكفر على أطفال المسلمين المخالفين لهم فيجوزون قتلهم وعلى نسائهم فيحرمون
نكاحهن والزواج بهن ففي رسالة من ابن الأزرق ـ وهو زعيم الأزارقة ـ إلى عبد الله بن صفار وعبد الله بن أباض ـ وهما من زعماء فرقة أخرى ـ : قال : وقال تعالى : ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) فقد حرم الله ولايتهم والمقام بين أظهرهم وإجازة شهادتهم وأكل ذبائحهم وقبول علم الدين عنهم ومناكحتهم ومواريثهم ) . وحيث كانت ( مجتمعات المسلمين المخالفين ) دار كفر فلا يجوز البقاء فيها ، ولذلك فقد هجروها ، وشكلوا لهم مجتمعات صغيرة خاصة .. وهذا ما وجدنا في العصر الحاضر من قبل جماعات التكفير والهجرة ، وهذا الاسم وإن كان اسم جماعات سياسية معينة ولكنه واقع قسم من هذه الحركات التكفيرية . وأما قتل الأطفال والنساء فقد رأيناه بشكل
واضح في أكثر من بلد مسلم . نعم كان هناك اختلاف بينهم في أن أطفال المسلمين المخالفين يقتلون لأنهم ملحقون بآبائهم والفرض أنهم كفارأو يمهلون ويؤجلون لأنه لا يتمشى منهم الكفر والايمان .فتخالف في ذلك نافع بن الأزرق ونجدة الحروري .. وقد سبق أن تعرضنا إلى رسالة بعثها بن الأزرق لبعض الخوارج . كذلك من معالم تطرفهم العقدي هو ما يرونه في الخلفاء الأربعة بعد النبي صلى الله عليه وآله ، فقد يكون طبيعيا أن يتخذ شخص ما موقفا ما من شخص حاكم ، ولكن هؤلاء اتخذوا موقف التصحيح والتأييد من الخليفتين الأول والثاني ، وأما الثالث والرابع فقد حكما عليهما بالكفر ، أما عثمان فمن السنة السادسة من حكمه ، وأما علي ابن أبي طالب فهو كافر من أيام
التحكيم . إلى هنا يبدو الأمر طبيعيا مادام يعبر عن رأي ! لكن المشكلة هي أن هؤلاء يعرضون الناس على رأيهم هذا فإن قبلوه وإلا عرضوهم على السيف !. فإنه قد ذكر المؤرخون، والنص هنا لابن قتيبة: أن الخوارج «.. بينما هم يسيرون، فإذا هم برجل يسوق امرأته على حمار له؛ فعبروا إليه الفرات، فقالوا له: من أنت؟ قال: أنا رجل مؤمن. قالوا: فما تقول في علي بن أبي طالب؟ قال: أقول: إنه أمير المؤمنين، وأول المسلمين إيماناً بالله ورسوله. قالوا: فما اسمك؟ قال: أنا عبد الله بن خباب بن الأرت، صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم. فقالوا له: أفزعناك؟ قال: نعم. قالوا: لا روع عليك، حدثنا عن أبيك بحديث سمعه من رسول الله، لعل الله ينفعنا به.