قال أمير المؤمنين  مخاطبا الخوارج ( فإن أبيتم إلا أن تزعموا أني أخطأت وضللت فلما تضللون عامة أمة محمد بضلالي وتأخذونهم بخطأي وتكفرونهم بذنبي سيوفكم على عواتقكم تضعونها مواضع البرء والسقم وتخلطون من أذنب بمن لم يذنب وقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وآله رجم الزاني المحصن ثم صلى عليه ثم ورّثه أهله وقتل القاتل وورّثه ميراث أهله وورّث ميراثه أهله وقطع يد السارق وجلد الزاني غير المحصن ثم قسم عليهما من الفيء ونكح المسلمات فأخذهم رسول الله بذنوبهم ولم يمنعهم سهمهم من الإسلام ) . هذه الخطبة محاكمة لمنهج فكري خاطئ كان يسير عليه الخوارج .. وهذا المنهج بالرغم من أنه قد بدأ مع الخوارج تاريخا إلا أنه لا يزال مستمرا في حالات كثيرة ، في
عالمنا الاسلامي ، حيث لا تزال الدماء تسيل والأرواح تزهق ، والدمار يسيطر ، وكل ذلك من نتائج هذا المنهج الخاطئ . الخوارج ـ فيما نعلم ـ هم أول من استخدموا العنف اللفظي ـ والذي كان أبرز صوره تكفير الإمام ومطالبته بالتوبة عن كفره ! ـ ثم العنف العسكري حيث كانوا يقتلون مخالفيهم في الفكرة لمجرد المخالفة ويستحلون دمهم ، كما حدث بالنسبة لعبد الله بن خباب بن الأرت وزوجته . وانبعث هذا الفكر العنفي من جديد في عالمنا الإسلامي فأين ما التفت تجد آثار هذا العنف قائمة تحصد الأخضر واليابس ، وتطال المحق والمبطل ، وتبيد ذا العلاقة وغير ذي العلاقة ..في الجزائر حسب ما قالوا إلى الآن بلغ ضحايا هذا العنف من الطرفين ستين ألف إنسان خلال أربع
سنوات .. وهذا يعني أنه يقتل في كل يوم قرابة ثلاثمائة روح انسانية !! ، لو تصورنا أن مزرعة تذبح كل يوم ثلاثمائة دجاجة لكان شيئا كثيرا. في أفغانستان بلغ عدد القتلى الذين سقطوا في المواجهات بين الفئات الإسلامية أكثر من عدد القتلى الذين سقطوا في مواجهة الاحتلال الروسي .. وتجد في باكستان صورة قريبة من هذا ، وفي باقي بلدان العالم الاسلامي . وبالرغم من تعالي الصيحات محذرة من الاستمرار في هذا المسلسل ، والتداعي إلى مؤتمرات أمنية والقيام بمعالجات عسكرية وغيرها ..إلا أن السؤال المهم : لماذا يحصل هذا ؟ إن المثل المعروف القائل : ( على أهلها جنت براقش ) و ( سمّن كلبك يأكلك ) لينطبق على حال الأمة ووضعها . لقد تم ترسيم منهج في
الثقافة و التعليم .. وكان هذا المنهج بذرة أنتجت الحنظل ..بل النبتة المفترسة .. هذا العنف السائد ليس عنف السلاح وإنما هو في البداية عنف الفكر فإذا أردنا أن تعالج الآثار فلابد أن يعالج الأساس والبذرة التي أنتجت هذا البلاء .. ما هي أبرز ملامح هذا المنهج الذي ينتج العنف ؟ ينبغي أن نلاحظ تاريخ الخوارج في صدر الاسلام حيث أنهم كانوا يشكلون التجربة الأولى لمنهج العنف ، فلندرس حياتهم وفكرهم ، والذي يتكرر اليوم في صور هذه الحركات العنيفة فكرا وسلوكا . فمن مظاهر هذا المنهج : التنطع في العبادة والتقدس الزائد والتكلف فيما لم يوجبه الشرع ، لقد كانوا يضيقون على أنفسهم ما هو واسع في الشرع ، يوجبون على أنفسهم مالا يجب شرعا ويحرمون على أنفسهم مالا
يحرم شرعا ..مبالغة منهم في زعمهم في الاجتهاد والعبادة. ولقد شبه في بعض الأحاديث حال الخوارج هنا في التضييق على أنفسهم بما صنعه بنو اسرائيل عندما أمروا أن يذبحوا بقرة فظلوا يسألون عن صفاتها ، وعما هي ، وما لونها .. إلى الأخير ( فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) ، فإنهم على أثر هذا التكلف والتعقيد يكادون أن لا يلتزموا بالأوامر الالهية .. وهناك أثر ذو معنى يقول : ( ما من صاحب بدعة إلا وهو أشد اجتهادا من غيره في العبادة ) أي أن صاحب البدعة شديد الاجتهاد في العبادة .. فبينما غيره يجتهد في المعرفة والوعي ويسعى لتحصيل العلم ، ومن ثم فإنه لو قصّر في مستحبات العمل لا يضره ذلك ضررا كبيرا.. بينما في المقابل يوجد حديث معناه