( واعلموا أن هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش والدليل الذي لا يظل والمحدث الذي لا يكذب وأنه ليس بعد القرآن من فاقه ولا قبله من غنى فاستشفوه من أدوائكم واستعينوا به على لأوائكم فإن فيه الشفاء من الداء الأكبر الكفر والنفاق والغي والضلال وأنه ما جالس أحد هذا القرآن إلا قام عنه بزيادة أو نقصان زيادة في هدى أو نقصان من عمى واعلموا أنه شافع مشفع وماحل مصدق من شفع له شفع فيه ومن محله صدق عليه وهو كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم ) . يتفق المسلمون مع اختلاف طوائفهم ـ إلا من شذ منها ـ على قضية أساسية هي أن القرآن الكريم الموجود بين أيدينا هو الذي نزل على رسول
الله صلى الله عليه وآله من غير زيادة ولا نقيصة ولذلك فهو حجة عليهم في الائتمار بأوامره والانتهاء عن نواهيه . وتتكلم النصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام ، عن القرآن باعتباره وحدة واحدة معروفة وتشير إليه على هذا الأساس ، وهذا مما يؤكد المعنى السابق ، إذ لا معنى لأن يشار إليه بـ ( هذا القرآن ) مع كونه منقوصا أو مختلفا من مكان إلى آخر ، ومن زمان إلى زمان .. وفي الكلمات السابقة عن أمير المؤمنين عليه السلام ، تصريح بهذا المعنى ، فهو يوجه الناس إلى هذا القرآن ويقول ( اعلموا أن هذا القرآن ) ولو كان مختلفا أو متفاوتا بينهم لما كان معنى أن يشير إليه بإشارة واحدة ..
كذلك يكمل كلامه بالقول بأنه هو الناصح الذي لا يغش والدليل الذي لا يظل والمحدث الذي لا يكذب ، ومن المعلوم أن الناقص عن مقداره لا بد أن يكون مغشوشا وغاشا بالتالي ، وهكذا لو كان ناقصا أو زائدا فإنه لا يمكن أن يكون دليلا ، فإن نقص حرف واحد أحيانا أو نقطة من حرف في كلا م يغير المعنى ويقلبه إلى عكس المراد منه . وعلى هذا المعنى : وهو صيانة القرآن من الزيادة والنقصان في التنزيل ، استقرت عقيدة المسلمين ، وأجمعوا عليه . نعم ربما ذهب كاتب من السنة أو الشيعة إلى دعوى خالف فيها جمهور كل من الطائفتين وقام على بطلانها البرهان العقلي وقال بأن القرآن الذي بين أيدينا ليس هو نفسه الذي نزل على رسول
الله وإنما تمت الزيادة فيه أو النقيصة منه ! غير أن هذه الدعوى ساقطة جزما عند الفريقين ، ومسبوقة بالاجماع وملحوقة به على خلافها . فقد ادعى كاتب مصري في كتاب سماه الفرقان أن القرآن الكريم الموجود بين أيدينا ينقص عما نزل على رسول الله واستدل على دعواه هذه ببعض الأحاديث الموجودة في كتب الحديث ، واستفاد منها أن القرآن ـ بحسب تلك الروايات ـ ينقص آيات وربما سورا. الكتاب الذي أثار ضجة من المعارضة له ، وتم جمع نسخه ومصادرتها من المكتبات ، لم يستطع التأثير في الوسط العام المسلم ولم يغير رأيه المتفق على عدم زيادة أو نقص القرآن . في الطرف الشيعي أيضا يوجد كتاب يعرف بـ ( فصل الخطاب ) وهو للمحدث النوري الطبرسي الذي نقل
فيه عددا من الروايات مفادها أن القرآن الكريم فيه زيادة و نقيصة . غير أن الكتاب الذي تعرض لانتقاد واسع بين العلماء ، سببه أن أكثر الروايات التي نقلها هذا المحدث في كتابه تنتهي عند التحقيق لرجل معروف بالوضع هو أحمد ابن محمد ابن سيار وربما عبر عنه بالسياري يصفونه بالأوصاف التالية : كذاب يضع الأحاديث و غال وهذه الصفات عندما توجد في ناقل الحديث تسقط حديثه عن الاعتبار. فضلا عن أن متن قسم من الروايات غير ظاهر في تحريف اللفظ وزيادته أو نقيصته وإنما ظاهر في تغيير التأويل وليس التنزيل وقيل أيضا كما نقل عن المحقق الطهراني آقا بزرك أن نفس الكاتب وهو المحدث النوري تراجع عن مضمون هذا الكتاب في آخر حياته ، وسواء تم ذلك أو لم