الشيب بالسواد لقوله صلى الله عليه وآله وسلم (غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود) فقال امير المؤمنين عليه السلام (كان ذلك والدين قُلٌّ ُ أما الآن وقد ضرب بجرانه واتسع نطاقه فامرىء وما اختار)(٦) اي ان الدين عندما كان حديث النشأة وأتباعه قليلين ليس لهم وضوح ولا قوة كان ذلك التوجيه النبوي ، وأما الآن بعدما قوي الدين وضرب بجرانه أي استقر أمره ، واتسع نطاقه فالأمر واسع والمرء مخير فيه . فيظهر من هذا أن التأكيد على صبغ الشيب ، كان لجهة مرتبطة بالزمان ، فإذا تغير الزمان وتغيرت بالتالي تلك الجهة لم يعد هذا الأمر يحمل نفس المرتبة من التأكيد . ولعل عدم الالتفات إلى هذه الجهات تجعل البعض يسأل أو يعترض على الأئمة عليهم السلام في بعض ألبستهم
، فقد روى مصدق بن صدقة قال : دخل سفيان الثوري على أبي عبد الله ( عليه السلام ) فرأى عليه ثياب بيض كأنها غرقى البيض(٧) ، فقال له : إن هذا اللباس ليس من لباسك ! فقال له : اسمع مني وع ما أقول لك ، فإنه خير لك عاجلا وآجلا ، إن أنت مت على السنة ولم تمت على بدعة ، أخبرك أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان في زمان مقفر جدب ، فأما إذا أقبلت الدنيا فأحق أهلها بها أبرارها لا فجارها ، ومؤمنوها لا منافقوها ، ومسلموها لا كفارها ، فما أنكرت يا ثوري ؟ ! فوالله إني لمع ما ترى ما أتى علي - مذ عقلت - صباح ولا مساء ولله
في مالي حق أمرني أن أضعه موضعا إلا وضعته. . . ومثال آخر : سُئل الإمام الصادق عليه السلام كان جدك علي عليه السلام يلبس الخشن من الثياب وأنت تلبس الثياب الجيدة الناعمة ! والمفروض ان منهجكم واحد . فقال الإمام عليه السلام (كان ذلك في زمان لا يُنكر ولو لُبس اليوم لشهر به فخير لباس كل زمان لباس أهله) ففي ذلك الوقت حيث حالة الفقر العام كان من المناسب أن يلبس الإمام عليه السلام مثل تلك الثياب ،هذا إضافة إلى موقعه القيادي باعتباره رئيس الدولة كي لا يتبيغ بالفقير فقره يدعوه ان يلتزم بهذا المنهج . أما في زمان الإمام الصادق عليه السلام حيث كانت الحالة المادية العامة للناس حالة حسنة لو لبس أحدهم اللباس الذي كان يلبسه أمير
المؤمنين لقيل : هذا مراءٍ يحب أن يشتهر بلباس أهل الزهد . وخذوا مثلا اللباس القصير التي تلتزم به بعض الفئات المتدينة اعتماداً على انه في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله كانوا يلبسون هذا اللباس ! هذا ينطبق عليه ايضاً انه كان في زمان لا يُنكر عليه ، وأما اليوم فلو ان أحدهم فعل ذلك لصار شهرة الأسواق ! ولهذا فقد أطلق الامام الصادق (عليه السلام) قانونا عاما ، يحكم قضية اللباس ويعتبر بمثابة المحدد ، والحاكم على باقي الروايات التي تتحدث عن الألبسة ، وهو (خير لباس كل زمان لباس أهله ) بالطبع لا بد من توفر ما ينبغي في مثله من شروط الستر وغير ذلك . هناك نقطة أخرى ينبغي توضيحها في موضوع اللباس القصير مع
وجود التوجيهات التي تقول باستحباب لبس القصير كما جاء في تفسير قوله تعالى ( وثيابك فطهر )(٨) وكذلك ما ورد في كراهة لبس الطويل والاسبال في الثياب ، فإن البعض قد فهم منها أن التقصير مطلوب لذاته ، وأن الطويل مكروه لذاته ، بينما في الروايات هناك تعليل أو توجيه لاستحباب هذا وكراهة ذاك ، وهو تقييده بكون الطويل على جهة الخيلاء والاستكبار وآنئذ يكون من منازعة الله في كبريائه ، ويحمل معنى غير أخلاقي(٩) . ( فعن النبي ( صلى الله عليه وآله ) - في آخر خطبة خطبها : ( . . . ومن لبس ثوبا فاختال فيه خسف الله به من شفير جهنم يتخلخل فيها ما دامت السماوات والأرض ، وإن قارون لبس حلة فاختال فيها فخسف