الفهم الحرفي أو العرفي للروايات

قال أمير المؤمنين علي عليه السلام(اعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل رعاية ولا تعقلوه عقل رواية فإن رواة العلم كثير ورعاته قليل)(١). كان من نتائج الصحوة الإسلامية عودة الكثير من شباب الأمة إلى المصادر الأصلية للروايات والأحاديث طلباً منهم لما يتصورونه من صافي الفكر والفقه وقد كان لهذا التوجه آثار محمودة إلا أن هناك مشاكل نتجت عن عدم وجود منهج للتعامل مع هذه النصوص ومع فهمها باعتبار أن نصوص الروايات الموجودة في الكتب الحديثية والروائية ليست ثقافة جاهزة وإنما هي أشبه بالمواد الخام وهذه تحتاج إلى منهج وخريطة ومتخصص ، فعدم وجود هذا المنهج ينتج عنه أخطاء فكرية وقد ينتج عنه تزيّد في فهم القضايا الدينية . ولذلك فإن علينا أن نحاول استكشاف بعض النقاط المساهمة في تعيين فهم النصوص الروائية

والحديثية . من هذه النقاط أن يتم فهم روايات النبي صلى الله عليه وآله والمعصومين فهماً عرفياً بعيداً عن الحالة الحرفية . النبي لم يأت بطريقة خاصة في الخطاب : لتوضيح هذا الكلام ثم الاستشهاد عليه ببعض الشواهد نقول : رسول الله صلى الله عليه وآله وأئمة أهل البيت عليهم السلام لم يأتوا بطريقة جديدة في الخطاب والتفاهم ،وإنما طريقتهم في الخطاب والتفاهم هي الطريقة السائدة عند العرب وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى مرارا( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ)(ابراهيم: من الآية٤) والأنبياء ولسانهم الأعلى والأجلى ،رسول الله صلى الله عليه وآله يقول(إنا معاشر الأنبياء أُمرنا ان نكلم الناس على قدر عقولهم )(٢) سواء كان من حيث كمية العلم المعطى إليهم أو طريقة الأداء وأسلوب

الإفهام وإلا ما كان ذلك بلاغاً وإبلاغاً .. فلو تكلم النبي باللغة الانكليزية في وسط العرب ما كان ذلك بلاغا وما كان النبي في ذلك بليغا مع أن القرآن الكريم يقول( إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً ) (الانبياء:١٠٦) بل لوتكلم باللغة العربية ولكن بصورة معقدة على طريقة الفلاسفة مثلاً لم يكن هذا بلاغا وان كان بلغة عربية . البلاغ ومنه البلاغة يقتضي أن يتكلم المتحدث بجرعة تناسب عقول المستمعين وبلغة يصلون من خلالها إلى المعنى المراد.هذه الطريقة هي التي ينبغي أن يفكر فيها الباحث عندما يتناول نصاً من النصوص المروية عن النبي صلى الله عليه وآله .عندما تأخذ نصاً مرويا عن النبي صلى الله عليه وآله أو عن الإمام ، تصور النبي أو الإمام في وسط مجموعة من الناس يريد ان

يوصل إليهم فكرة ويخبرهم عن قضية ،وهذه الكلمات هي الموصل والمؤدي . إننا نرى أنه أحيانا يتقيد بعض الباحثين ومنهم علماء ببعض الكلمات والحروف ويصرون عليها ويقعون في إشكالات خطيرة تبعدهم عن فهم المعنى المراد من تلك الكلمات ، بينما المفروض ان الناظر الى روايات المعصومين عليهم السلام يستحضر في ذهنه ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتحدث مع مجموعة من الناس متوسطي الثقافة والمعرفة ويريد ان يوصل لهم فكرة حتى يطبقوها .أحيانا يستخدم المعنى المباشر أحيانا يستخدم المعنى غير المباشر أحيانا يستخدم المعنى الحقيقي وأحيانا يستخدم المعنى المجازي . هناك قضية مشهورة تشير إلى هذا المعنى ، أن رجلا جاء يستعطي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويطلب منه المال ، فبدأ يمدح رسول الله ويثني عليه

ويذكر حاجته بمقدار من التفصيل فقال رسول الله لعلي (عليه السلام) : يا علي اقطع لسانه ! استنكر ..بعض الحاضرين كيف ؟هذا رجل فقير جاء الى النبي يستعطي مالاً يحتاج الى المساعدة فكيف يقطع لسانه؟ فقام الإمام علي ابن ابي طالب واعطاه مقدارا من المال فسكت ذاك وانقطع لسانه(٣). وهذا متداول في لغة العرب فإن من جمال هذه اللغة أنها تستخدم المجاز والكناية وتلمح إلى المطلوب ولذلك كان الشعرعذبا ،بل لذلك كانت البلاغة.. اما اذا لُمست ملامسة حرفية مباشرة فإنها قد تخلو من الجمال و الطلاوة . لكن في أحيان كثيرة يبتلى بعض الناظرين في كلمات المعصومين بمشكلة الحالة الحرفية . مثلا يرى أحدهم الحديث : ( أيما امرأة استعطرت ثم خرجت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية ،

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١٠

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة