والتشاتم والتلاعن بين صحابة النبي فضلا عن التابعين مما يراه كل ناظر إلى التاريخ ويتعجب منه ، وإذا كان هؤلاء بهذه الصفات هم خير القرون والأفضل ، فكيف يكون غيرهم ؟ إنه يعتقد أن لهذه الفكرة منشئين ، أحدهما محاولة تنزيه الصحابة وتقديسهم ، وحل المشكلة الفكرية التي يستدعيها وضعهم غير المنسجم ، فلا بد من طريق يغلق فيه باب التفكير ، وهو التقديس والتنزيه وأن ( نترك ما شجر بينهم ) وأن لا يتحدث أحد فيه ! وثانيهما : فكرة الاحتماء بالماضي والعودة اليه وهي في الواقع تعبير عن الإفلاس والتخلف . الأمة التي تعيش أزمة في حاضرها وتعيش ضبابية في رؤية مستقبلها تلجأ الى الماضي لانها تستطيع أن تصوره بصورة حسنة، تماما على طريقة التاجر المفلس يبحث في
الدفاتر العتيقة والمدونات القديمة عن ديونه على الآخرين لأنه مفلس الحاضر ولا أمل له في المستقبل . لماذا تجد ان الكتاب العربي والاسلامي الرائج هو الكتاب التراثي ، الكتاب الذي ألف قبل سبعمائة او تسعمائة سنة بينما الكتاب الذي يُؤلف اليوم ليناقش المستقبل لا يجد له قراء ؟ وإذا أراد ناشر أن ينشره لحسابه الخاص يقدم فيه على مغامرة ؟ إنما ذلك لأن هذه الأمة أمة تراثية أمة تقرأ ما كان في الزمن الماضي لاتريد ان تفكر بالحاضر فضلا عن ان تتطلع الى المستقبل ولذلك فإن الذي يفكر تفكيرا تجاريا ، إنما يقوم بطبع تلك الكتب التراثية بغض النظر عن منفعتها الفعلية ، فإن لم يربح في هذا البلد يربح في غيره ، وإنت لم يشتره الرجال تشتريه النساء ..
لا يخفى اننا لا نريد ان نقطع الصلة بالماضي بالكامل هذا لا أحد يقول به فالقرآن الكريم وهو كتاب الحاضر والمستقبل يوجه الأمة الى رسالات الانبياء السابقة والى الماضي لكن لا لإجل الإفتخار الأجوف والمباهاة ولا لأجل التكاثر وانما لأجل ان يعرف الإنسان كيف تقدمت تلك المجتمعات وكيف تخلفت حتى ينطلق من مسيرته من مواطن القوة والتقدم ويترك جوانب التاخر والإعاقات جانباً . نقول :ان هناك نظرتين للماضي ، فتارة يكون الماضي محطة انطلاق ومدرسة وعبرة وأخرى يكون كهفا يُلجا اليه ومكانا يستظل به ورداء يستدفأ به .هذه النظرة هي التي تصنع من الأمة أمة ماضوية متأخرة وأمة غائبة عن واقعها. لماذا تجد ان عالما من علماء المسلمين قبل سبع مئة سنة يطلق أحكام التكفير ضمن ظروف معينة في ذلك
الزمان ولكنها الى الان لاتزال تحرك مجاميع من ابناء المسلمين ليكفر بعضهم بعضا ، فيغيب هذا الإنسان من رؤية ما حوله ، ويعتمد على أن قال فلان أن هذه الفرقة منحرفة مبتدعة لأن عندهم قرآنا غير قرآن المسلمين . فيسير جيل هذا الزمان بفكر كان قد اُنتج قبل سبع مئة سابقة ، هذه الحالة هي من مظاهر التخلف الثقافي والفكري . إن ثقافة كل أمة ينبغي أن تنفعها في زمانها لكي تجيب على إشكالات ذلك الزمان ولكي تعالج مشاكل ذلك العصر كل عصر جديد يحتاج الى ثقافة جديدة وفكر ومعالجات مناسبة له، وربما استفادت من الماضي ولكن لا تستطيع ان تكون اسيرة له . هناك مظاهر أخرى لانريد ان نستوعب الحديث في هذا الجانب وانما كنا نريد ان نستشهد على
فكرة هي ان الأمة التي اُريد لها الريادة في الثقافة والمعرفة أصبحت أمة متخلفة في هذا الجانب عن نظيراتها بل حتى عن وضعها قياسا الى بقية الأزمنة وأوردنا هذه العلامات كشاهد على ذلك . أسباب التخلف الثقافي :ـ الجانب التربوي دعنا نناقش شيئا من أسباب ذلك ، لماذا كان هذا التخلف الثقافي ؟ لماذا حصل هذا التأخر بهذا المقدار؟ هناك أسباب كثيرة نتعرف الى بعضها بالمقدار الذي يرتبط بنا كمجتمع ونحن نفترض أننا من المهتمين بإنهاض الأمة.سوف نتحدث هنا عن الجانب التربوي. فنتساءل في هذا الجانب هل أن أجيال الأمة تنشأ تنشئة تنتهي الى الانطلاق او تُنشأ تنشئة تدعوها الى التراجع والتخلف ؟ مع الاسف يمكن القول ان التنشئة التي حصلت عليها اجيال الأمة في الغالب كانت تنتهي الى التخلف