نساء حول أهل البيت (ع) ج٢

نساء حول أهل البيت (ع) ج2
نساء حول أهل البيت (ع) ج٢
تأليف: الشيخ فوزي آل سيف
الناشر: دار الصفوة
سنة النشر: --- الطبعة: الأولى عدد الصفحات: -- ص القياس: -- المشاهدات: ١٣,٠٣٣ التحميلات: ٢,٨١٠
الملفات المرفقة
نساء حول أهل البيت (ع) ج2
PDF 2.27 MB 2,810
تحميل الملف

يَوْمٍ! هُنَاكَ قِيَامَةٌ دَاخِلِيَّةٌ فِي نَفْسِكَ، تَحْصُلُ بِالْحَجْمِ الْمُصَغَّرِ فِي دَاخِلِكَ، وَالْحَجْمُ الْمُكَبَّرُ لَهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ. كَيْفَ؟ عِنْدَمَا يَرْتَكِبُ الْإِنْسَانُ عَمَلًا خَاطِئًا، وَيَذْهَبُ لِيَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى الْوِسَادَةِ لِكَيْ يَنَامَ، هُنَا تَشْتَغِلُ الْقِيَامَةُ الدَّاخِلِيَّةُ، وَيَبْدَأُ وِجْدَانُهُ وَضَمِيرُهُ تُعَاتِبُهُ وَتُوَبِّخُهُ وَتُنَغِّصُ عَلَيْهِ نَوْمَهُ: «لِمَاذَا فَعَلْتَ هَذَا الْعَمَلَ؟ لِمَاذَا عَمِلْتَ هَذِهِ الْمَعْصِيَةَ؟ مَا الَّذِي أَلْجَأَكَ إِلَيْهَا؟ وَمَاذَا جَنَيْتَ الْآنَ؟» فَيَظَلُّ الْإِنْسَانُ فِي حَالَةٍ تُشْبِهُ الْمُحَاكَمَةَ دَاخِلَ نَفْسِهِ؛ أَحْيَانًا تَرَاهُ يَتَصَبَّبُ عَرَقًا، أَوْ يَتَوَتَّرُ، أَوْ تَرْتَفِعُ حَرَارَةُ بَدَنِهِ، وَيَكُونُ شَارِدًا بِفِكْرِهِ لَا يَشْعُرُ بِمَنْ حَوْلَهُ، لِمَاذَا؟ لِأَنَّ هُنَاكَ قِيَامَةً دَاخِلِيَّةً فِي نَفْسِهِ. وَفِي الْمُقَابِلِ، إِذَا عَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا - كَمَا تَصْنَعُونَ ذَلِكَ جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا - وَذَهَبَ إِلَى الْمَنَامِ، فَإِنَّهُ يَسْتَعْرِضُ شَرِيطَ أَعْمَالِهِ الْخَيْرَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَيَرْتَاحُ وَيَشْعُرُ بِالنَّشْوَةِ وَالسُّرُورِ: «أَنَا عَبَدْتُ

اللَّهَ، وَعَمِلْتُ عَمَلًا خَيْرًا، وَأَنْفَقْتُ، وَسِرْتُ عَلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، وَأَصْلَحْتُ بَيْنَ شَخْصَيْنِ»، فَيَشْعُرُ بِالِارْتِيَاحِ وَالْهُدُوءِ وَالِاسْتِقْرَارِ، فَكَأَنَّهُ فِي جَنَّةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَهُنَاكَ قِيَامَةٌ دَاخِلِيَّةٌ عِنْدَ كُلِّ إِنْسَانٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ؛ إِنْ عَمِلَ صَالِحًا تَصَوَّرَ نَفْسَهُ فِي لَذَّةِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ عَمِلَ سُوءًا - نَعُوذُ بِاللَّهِ - تَرَاهُ يَتَقَلَّبُ عَلَى نِيرَانِ الْمُحَاكَمَةِ وَالْمُعَاتَبَةِ وَالْمُعَاقَبَةِ الدَّاخِلِيَّةِ. الْقُرْآنُ يَقُولُ: لِمَاذَا تَذْهَبُ إِلَى ذَلِكَ الِاتِّجَاهِ وَأَنْتَ فِي كُلِّ يَوْمٍ تَحْمِلُ قِيَامَتَكَ الدَّاخِلِيَّةَ فِي دَاخِلِ نَفْسِكَ؟ مَا يَحْتَاجُ أَنْ أُقْسِمَ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَبِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ لِأَنَّهَا مَشْهُودَةٌ فِي نَفْسِكَ وَحَاضِرَةٌ عِنْدَكَ. بَعْدَ ذَلِكَ يَأْتِي الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ وَيَقُولُ: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ}. اسْتِغْرَابُ هَؤُلَاءِ النَّاسِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي لَيْلَةٍ مَضَتْ هُوَ هَذَا: كَيْفَ؟ «رُبَّ لَحْدٍ قَدْ صَارَ لَحْدًا مِرَارًا * ضَاحِكًا مِنْ تَزَاحُمِ الْأَضْدَادِ». هَذِهِ الْمَقْبَرَةُ

الَّتِي فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ، يُدْفَنُ فِيهَا شَخْصٌ، وَبَعْدَ مُدَّةٍ يَتَحَلَّلُ، فَيُحْفَرُ نَفْسُ الْقَبْرِ وَيُدْفَنُ فِيهِ آخَرُ، وَعَلَى هَذَا الْمُعَدَّلِ أَكَلَ التُّرَابُ لَحْمَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي حَتَّى انْدَثَرَا. كَيْفَ تَجْتَمِعُ هَذِهِ الْعِظَامُ؟ اخْتَلَطَتْ عِظَامُ ذَاكَ بِعِظَامِ هَذَا، وَخَلَايَا ذَاكَ بِخَلَايَا هَذَا، فَكَيْفَ يَجْتَمِعُونَ وَمَنْ يَجْمَعُهُمْ؟ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُجِيبُ عَلَى ذَلِكَ يَقُولُ: {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ}. الْبَنَانُ هُوَ أَطْرَافُ الْأَصَابِعِ. لِمَاذَا خَصَّ اللَّهُ تَسْوِيَةَ الْبَنَانِ؟ لِأَنَّهُ بِحَسَبِ التَّقْدِيرَاتِ، مُنْذُ آدَمَ إِلَى الْآنِ يُقَدَّرُ عَدَدُ الْبَشَرِ بِـ ١٢٠ مِلْيَارِ إِنْسَانٍ. هَؤُلَاءِ الْـ ١٢٠ مِلْيَارًا، كُلُّ وَاحِدٍ فِيهِمْ يَمْلِكُ عَشْرَ بَنَانٍ، الْمَجْمُوعُ تِرِلْيُونٌ وَمِئَتَا مِلْيُونِ بَنَانٍ! وَهَذَا التِّرِلْيُونُ وَمِئَتَا مِلْيُونِ بَنَانٍ لَا تَتَشَابَهُ فِيهَا الْوَاحِدَةُ الْأُخْرَى، لَا عِنْدَ الشَّقِيقِ وَلَا حَتَّى عِنْدَ التَّوْأَمِ الْمُتَشَابِهِ. الرَّسْمَةُ وَالْخُطُوطُ وَالدَّوَائِرُ فِي هَذِهِ الْمِسَاحَةِ الصَّغِيرَةِ مِنَ

الْإِصْبَعِ لَيْسَ لَهَا شَبِيهٌ فِي تَارِيخِ الْكَوْنِ. فَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَادِرًا عَلَى أَنْ يُرْجِعَ هَذَا الْبَنَانَ بِشَكْلِهِ الْفَرِيدِ الَّذِي لَا يُسْتَنْسَخُ مِنْ بَيْنِ كُلِّ هَذَا الْعَدَدِ، فَإِرْجَاعُ جَسَدِ الْإِنْسَانِ وَعِظَامِهِ أَمْرٌ أَيْسَرُ وَأَسْهَلُ بِكَثِيرٍ. إِذًا، لِمَاذَا يُنْكِرُ النَّاسُ هَذَا؟ يُجِيبُ الْقُرْآنُ: {بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ}. إِنْكَارُهُ وَتَسَاؤُلَاتُهُ التَّشْكِيكِيَّةُ غَايَتُهَا أَنْ يَفْجُرَ فِي دُنْيَاهُ؛ فَهُوَ يَعْلَمُ بِوُجُودِ مَحْكَمَةٍ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَصْمُدُ أَمَامَ غَرَائِزِهِ وَشَهَوَاتِهِ، فَيُقْنِعُ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ لَا تُوجَدُ قِيَامَةٌ وَلَا حِسَابٌ وَلَا وُقُوفٌ، لِكَيْ يَتَمَادَى وَيُفْسِدَ وَيَتَخَطَّى الْحُدُودَ. هَذِهِ الْآيَاتُ تَنْظُرُ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ بِاعْتِبَارِهَا الْمَحْكَمَةَ النِّهَائِيَّةَ لِلْعَدْلِ الْإِلَهِيِّ، الْمُرْتَبِطَةَ بِالْقِيَامَةِ الدَّاخِلِيَّةِ لِلْإِنْسَانِ الَّتِي تَسْتَيْقِظُ عِنْدَ ارْتِكَابِ الْمَعْصِيَةِ لِتُؤَرِّقَهُ وَتُحَاسِبَهُ، هَذَا إِنْ كَانَتْ نَفْسُهُ لَا تَزَالُ حَيَّةً. أَمَّا مَنْ مَاتَ قَلْبُهُ وَقُتِلَتْ

نَفْسُهُ اللَّوَّامَةُ، فَهُوَ يَرْتَكِبُ الذَّنْبَ وَيَنَامُ بِمِلْءِ جَفْنَيْهِ بِلَا ضَمِيرٍ أَوْ وِجْدَانٍ. وَفِي الرِّوَايَاتِ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أَذْنَبَ نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِنِ اسْتَغْفَرَ مُحِيَتْ وَعَادَ قَلْبُهُ نَقِيًّا، وَإِنْ تَمَادَى زَادَتْ حَتَّى يَسْوَدَّ قَلْبُهُ، وَهُنَا تُحِيطُ بِهِ خَطِيئَتُهُ. كَمَا فِي الْقِصَّةِ الْمُتَدَاوَلَةِ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْعُصَاةِ رَآهُ ابْنُهُ فِي الْمَنَامِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَسَأَلَهُ: «مَا الْخَبَرُ هُنَاكَ؟» فَأَجَابَهُ: «لَا تُصَدِّقِ الْخُطَبَاءَ وَالْعُلَمَاءَ، يَقُولُونَ هُنَاكَ حِسَابٌ وَكِتَابٌ وَمِيزَانٌ وَمَلَائِكَةٌ؛ أَنَا مِنَ الْقَبْرِ مُبَاشَرَةً وَجَدْتُ نَفْسِي فِي نَارِ جَهَنَّمَ!». فَهَذَا الَّذِي أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ لَا يَمُرُّ بِتِلْكَ الْعَقَبَاتِ، بَلْ يُسَاقُ مُبَاشَرَةً إِلَى مَصِيرِهِ الْمَحْتُومِ. لِذَلِكَ، فَالنَّفْسُ اللَّوَّامَةُ جُزْءٌ مِنَ الْقِيَامَةِ، وَهَنِيئًا لِمَنْ كَانَتْ نَفْسُهُ قَوِيَّةً مُتَيَقِّظَةً. وَالدُّعَاءُ يُقَوِّيهَا عِنْدَمَا يُنَاجِي الْعَبْدُ رَبَّهُ: «أَنَا الَّذِي أَسَأْتُ، أَنَا الَّذِي أَخْطَأْتُ، أَنَا الَّذِي تَعَمَّدْتُ وَتَكَبَّرْتُ»،

مشاركة عبر:
الملفات المرفقة
نساء حول أهل البيت (ع) ج2
PDF 2.27 MB 2,810
تحميل الملف
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٢

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة