في ما يرتبط بمتشابه القرآن رده إلى الله وإلى الرسول فإن الوظيفة هنا كذلك- مع حفظ النسبة بين الآيات والأحاديث لجهة قطعية الصدور في الأولى وحاجة الثانية للتحقيق- فلا يجوز رد الآثار والأحاديث لمجرد أن عقولنا لا تبلغ أو لا تصدق وإنما ترد إلى العلماء بها، والمشكلة هي حين يقوم غير الخبراء بالتعاطي مع هذه الأحاديث وتفسيرها حسب مدركاتهم، فيفسدون ولا يصلحون. وما نحن فيه هو من هذا القبيل ذلك فلو أخذنا مثالا هو الغلاة أيام أمير المؤمنين (عليه السلام)، يقول ابن ابي الحديد " لما ظهر من أخباره بالمغيبات حالا بعد حال، قالوا: ان ذلك لا يمكن أن يكون إلا من الله تعالى، أو من حلت ذات الإله في جسده، ولعمري انه لا يقدر على ذلك إلا بأقدار الله
تعالى إياه عليه، ولكن لا يلزم من أقداره إياه عليه أن يكون هو الإله أو تكون ذات الإله حالة فيه، وتعلق بعضهم بشبهة ضعيفة نحو قول عمر وقد فقأ علي عين إنسان ألحد في الحرم: ما اقول في يد الله فقأت عينا في حرم الله!! ونحو قول علي: والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية بل بقوة الهية، ونحو قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ا لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده واعز جنده وهزم الاحزاب وحده) والذي هزم الاحزاب هو علي بن ابي طالب لانه قتل شجاعهم وفارسهم عمرا لما اقتحم الخندق فاصبحوا صبيحة تلك الليلة هاربين مغلوبين من غير حرب سوى قتل فارسهم" . وهكذا ما أثر عن النبي (صلى الله عليه وآله
وسلم) قوله: اتاكم علي في السحاب، فتصور هؤلاء جهلا بأن المقصود من كلامه أنه اتى في الغيوم والسحب، بينما إشارة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم أ إلى لبس علي (عليه السلام) عمامة سوداء اهداها الرسول اياه وكان يسميها السحاب ؟! (٣) مصلحة المغالين: يضاف إلى عدم المعرفة ومتشابهات الأحاديث، ان عددا من الغلاة كانوا (ملكيين اكثر من الملك) فبالرغم من انهم كانوا ينهون من قبل المعصومين (عليهم السلام) من دعواتهم في المرحلة الاولى وفي مراحل أخرى يلعنون ويطردون ويتبرأ منهم، إلا انهم لا ينفكون متعلقين بدعوتهم، هنا لا بد من التفتيش عن المصلحة، فهؤلاء لو كان دافعهم غير المصلحة المادية أو الشهرة الاجتماعية والرئاسة لكانوا بذلك النهي، بل بتلك البراءة يتركون دعواتهم وينصرفون عنها، ولكن ما دامت هذه الدعوة
تحقق لهم وجودا اجتماعيا، والتفافا من قبل السذج والبسطاء من الناس، فلم لا يستمرون فيها ؟! بل كان الغلو نوعا من الهروب عن الالتزام الديني، فالمغالي يبدأ بتقديس الرسول أو الإمام ويرفعه فوق درجته بأن يجعله نبياً أو رباً- والعياذ بالله - ثم ينصب نفسه باباً وطريقاً وحيداً اليه، ويفرض على من يؤمن بدعوته أن يؤمن به باباً للإمام أو نبيا لذلك الرب!! ثم يبدأ باسقاط التكاليف عن نفسه وعن من يتبعه واجبا تلو الاخر. ولو نظرنا إلى ما سطره التاريخ من حركات الغلو وجدنا انها انتهت إلى حركات اباحية ومذاهب غير ملتزمة. فالغلاة في أيام امير المؤمنين (عليه السلام) يفطرون ايام شهر رمضان من غير مرض ولا سفر ثم يدعون: أنت أنت !! وهم انفسهم في وقت متأخر- ايام
الإمام الحسن العسكري- تجدهم يتأولون تاويلات باطلة لنفي التكاليف، فهم يقولون: ان الصلاة معناها رجل، لا ركوع ولا سجود، وكذلك الزكاة معناه رجل لا عدد دراهم ولا اخراج مال، وترقوا في ذلك حتى اسقطوا الواجبات واحلوا المحرمات واباحوا نكاح المحارم!! وقد فضح أهل البيت عليهم السلام هذا الهدف الذي يسعى له الغلاة، الا وهو اسقاط التكاليف الدينية وحذروا منها. فعن الإمام الصادق (عليه السلام) إنه قال: احذروا على شبابكم، الغلاة لا يفسدوهم فان الغلاة شر خلق الله، يصغرون عظمة الله ويدعون الربوبية لعباد الله، والله ان الغلاة شر من اليهود والنصارى والمجوس الذين اشركوا.. ثم قال: الينا يرجع الغالي فلا نقبله، وبنا يلحق المقصر فنقبله.. قيل له: كيف يا ابن رسول الله ؟! قال: الغالي قد اعتاد على ترك الصلاة