(٨) {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ}، فتأتي الجموع في المحشر، تلك فئة يقودها فرعون حيث {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} وتلك أخرى يقودها المال حيث (المال يعسوب المنافقين). وتلك ثالثة يقودها الجنس إذ أن الشهوة كانت المحرّك الأساسي لها في سعيها في الحياة وكانت تجسيداً كاملاً لـ: (بئس عبد الخميصة والفرج)، ورابعة تأتي يقودها ضب!! نعم الضب، ذلك الذي يضرب به المثل فيقال أضلّ من ضب، بايعه عدد ممن اعتزل أمير المؤمنين (عليه السلام) منهم عمرو بن حريث.. وهكذا لا يأتي الناس أفراداً بل يدعون حسب انتمائهم العقيدي والاجتماعي والسياسي، خلف راية أئمتهم وقادتهم سواء كانو طواغيت أو ضبابا، أعياناً خارجية أو أعضاء الجسم!!. هذه النتيجة الأخروية تابعة للمقدمة الدنيوية.. إذ (أن لكل مأموم إماماً يقتدي به ويستضىء بنور عمله) ولا يمكن أن يبقى المرء بلا إمام، حق أو باطل. والكثير ممن كانت نهايات أمرهم سيئة، وعواقب حياتهم رديئة، إنما لأنهم قصروا في معرفة الحق، وأسلموا زمام مواقفهم إلى قادة يفقدون الكفاءة والدين. بينما نجد أحد أسوار عظمة غيرهم من (الرجال) أنهم عينوا – بشكل دقيق- القائد الرباني فاتبعوه، فتفجرت في قلوبهم ينابيع الحكمة بتوجيهاته، وتبلورت الطاقات الكامنة بتعليماته، وخرجوا بذلك من ظلمات الوهم إلى نور الحقيقة، حتى كادوا أن يكونوا من الفقه أنبياء.
(٩) من كانوا؟! وما الذي ميزهم عن غيرهم؟! إن استعراضاً خاطفاً لما قيل فيهم، من مؤيديهم ومن مخالفيهم يجعلنا على معرفة بتلك الصفات والميزات التي انفردوا بها. فالله سبحانه وتعالى يقول عنهم {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الاِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصفهم بأنهم: أمنة لأمته كما هو (صلى الله عليه وآله وسلم) أمنة لهم، وكما يدفع به عنهم العذاب، يدفع بهم عن أمته الوعيد. وأمير المؤمنين يمدحهم في
نهج البلاغة بخطبة مفصلة منها.. أنهم: «أهل الفضائل: منطقهم الصواب وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، غضوا أبصارهم عمّا حرّم الله عليهم ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لما نزلت منهم أنفسهم في البلاء كالتي نزلت منهم في الرخاء، ولولا الأجل الذي كتب الله عليهم لم تستقر أرواحهم في أنفسهم طرفة عين أبداً شوقاً إلى الثواب وخوفاً من العقاب، عظم الخالق في أعينهم فصغر ما دونه في أعينهم». وهكذا الحسين (عليه السلام) حيث يصف هؤلاء بأنه لا يعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابه.. ولقد عرف هذه الصفات مخالفوهم وأعداؤهم، فقد قال ذلك القرشي عنهم و هم مجتمعون حول الرسول في بدر: ليس لهم كمين و لا مدد و لكن نواضح يثرب حملت الموت الناقع، أما ترونهم خرساً لا يتكلمون يتلمظون تلمظ الأفاعي
مالهم ملجأ إلاّ سيوفهم، و ما أراهم يولون حتى يقتلوا و لا يقتلون حتى يقتلوا بعددهم. و هذا معاوية بن أبي سفيان لا يخفي غضبه من الأنصار الذين قتلوا من أصحابه الكثير، الكثير حتى أنه لا يسمع بأحد مقتول إلا ويعلم أن الأنصار قتلوه، و لا يخفي أن نساء خزاعة لو قدرت على قتاله لفعلت قبل رجالها.. و يتعجب من وفاء أصحاب أمير المؤمنين له بعد شهادته رغم الترغيب و الترهيب..«لوفاؤكم له بعد مماته أعجب من طاعتكم له في حياته». و عندما تبرز تلك الثلّة المؤمنة في كربلاء لقتال الجاهلية الأموية، فتثخن فيهم القتل المبارزة، فينادي القائد الأموي عمرو بن الحجاج الزبيدي بالامتناع عن هذا النوع من القتال قائلا: - ويلكم يا حمقاء أتدرون من تقاتلون؟! إنما تقاتلون فرسان المصر