ابن أبي الحديد المعتزلي مرّ الشتاء دون أن ترسل السماء قطرة من غيثها، وأجدبت الأرض فلا واحة إلاّ وأكل الجفاف رونقها وبهاءها، وهامت الدواب تبحث عن مرعى دون جدوى، وتوقع القرشيون الهلاك، فإن انتهى الشتاء على هذه الحال، فلا ضرع ولا زرع. وجاؤوا إلى شيخ الأبطح.. _ يا أبا طالب.. أقحط الوادي، وأجدب العيال فهلمَّ واستسقِ. كان من عادة قريش إذا أقحطوا توسلوا ببني هاشم، وخرج هذه المرة أبو طالب «ومعه غلام كأنه شمس تجلّت عنه سحابة قتماء وحوله أغيلمة، فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ولاذ بإصبعه الغلام، وما في السماء قزعة ـ أي قطعة سحاب ـ فأقبل السحاب من هاهنا وها هنا وأغدق، واغدودق وانفجر له الوادي وأخصب البادي والنادي...»( ). كان ذلك للمرة الثانية في عرض أبي
طالب لهذا الغلام ذي الشأن الكبير، وكان أبو طالب الذي سمع من أبيه عبد المطلب أنه سيولد من نسله نبي من أنبياء الله العظام وأوصى بنيه بنصره يعلم أن هذا الغلام ابن عبد الله أخيه هو النبي المنتظر، ولكنه كان يريد تعريف قريش به من خلال كراماته ومناقبه.. هاهو الركب المغادر إلى الشام للتجارة في رحلته السنوية على وشك الانطلاق، وفيه أبو طالب، و (محمد) ابن أخيه آخذ بزمام ناقته يطلب منه أن يرافقه: يا عم إلى من تكلني لا أب لي ولا أم لي؟! فرقّ له أبو طالب وقال: والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ولا أفارقه أبداً. فخرج به معه فلما نزل الركب (بصرى) من أرض الشام وبها راهب يقال له: بحيرا في صومعة له وكان أعلم أهل
النصرانية ولم يزل في تلك الصومعة، راهب إليه يصير علمهم من كتاب فيهم كما يزعمونه يتوارثونه كائناً عن كائن فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا وكانوا كثيراً ما يمرون عليه قبل ذلك فلا يكلمهم ولا يتعرض لهم حتى إذا كان ذلك العام نزلوا به قريباً من صومعته فصنع لهم طعاماً كثيراً وذلك فيما يزعمون عن شيء رآه وهو في صومعته من الركب حين أقبلوا، وغمامة تظلّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من بين القوم ثم أقبلوا حتى نزلوا بظلّ شجرة قريباً منه فنظر إلى الغمامة حتى أظلت الشجرة وتهصرت (يعني تهدلت) أغصانها على رسول الله حتى استظل تحتها فلما رأى بحيرا ذلك نزل من صومعته وقد أمر أن يصنع لهم ذلك الطعام فصنع ثم أرسل إليهم فقال: إني قد صنعت لكم
طعاماً يا معشر قريش وأنا أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وحرّكم وعبدكم، فقال له رجل منهم: يا بحيرا إن لك اليوم لشأناً ما كنت تصنع هذا فيما مضى وقد كنا نمر بك كثيراُ فما شأنك اليوم؟!. قال بحيرا: صدقت قد كان ما تقولون ولكنكم ضيوف فأحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاماً تأكلون منه كلكم. فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة فلما نظر بحيرا في القوم لم ير الصفة التي يعرفها وهي موجودة عنده، فقال: _ يا معشر قريش لا يتخلف أحد منكم عن طعامي هذا. فقالوا: ما تخلف عنك أحد ينبغي أن يأتيك إلاّ غلام هو حدث القوم سناً تخلف في رحالهم. قال: لا تفعلوا،
ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم. فقال رجل من قريش: واللات والعزى إن لهذا اليوم نبأ، أيليق أن يتخلف ابن عبد الله عن الطعام من بيننا.. ثم قام إليه فاحتضنه ثم أقبل به حتى أجلسه مع القوم فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظاً شديداً وينظر إلى أشياء من جسده، قد كان يجدها عنده في صفته حتى إذا فرغ القوم من الطعام وتفرقوا قام بحيرا فقال له: يا غلام أسألك باللات والعزى إلاّ أخبرتني مما أسألك عنه. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تسألني باللات والعزى شيئاً قط. قال بحيرا: فبا لله إلاّ ما أخبرتني عما أسألك عنه.. قال له (صلى الله عليه وآله وسلم): سلني عما بدا لك. فجعل يسأله عن أشياء من نومه وهيئته وأموره ورسول الله