الذي كنتم عليه، وكنتم فيه بدل أن تعينونا سللتم علينا أسيافا، هذه الأسياف المفروض أنها لنا في أيمانكم، (وحششتم علينا نارا اقتدحناها على عدونا وعدوكم)، المفروض أن هذه النار تلتهم عدونا وعدوكم وهم هؤلاء الأمويون، وهؤلاء الطواغيت. إلى أن يأتي فيما بعد: (أجل والله غدر فيكم وشجت عليه أصولكم، وتآزرت فروعكم، فكنتم أخبث ثمرة شجى للناظر وأكلة للغاصب...)، كيف الأشجار تتشابك جذورها فتزداد قوة، أنتم أيضا بهذا الشكل، هذا الغدر الموجود عند هؤلاء أنتم دعمتموه وقويتموه، فحتى جذوره صارت قوية، ما هو (الغَدر)؟ وكيف نكتشفه في هذه الأسرة الأموية الباطلة والتي حولوه في نفوس أتباعهم إلى طريقة حياة؟ (الغَدر) في اللغة العربية ترك الشيء، ومنه جاء (غَادر)، (غَادر) يعني ترك المكان، ويسمى (الغَدر) غدرا لأنه ترك للعهد والميثاق، إنسان يتواثق
مع إنسان آخر، يعقد معه اتفاقية وميثاق بعد ذلك يقلب عليه، ويترك ذلك العهد والميثاق، يقال له (غَدر) به، هذا هو (الغَدر). المتابع للحالة الأموية يجد أنه تكرس فيها هذا الأمر من البدايات، الآن لا نصعد إلى أعلى إلى زمان الجاهليين الأقدمين، ابدأ مثلا من أبي سفيان جد الأسرة، أبو سفيان عقد مع رسول الله محمد صلى الله عليه وآله اتفاقية وهي صلح الحديبية، أبو سفيان كان بالنسبة إلى أهل مكة أشبه برئيس الوزراء، فهو الذي يتخذ القرارات، وهو يُسَيِّر الأمور، إلى غير ذلك، نعم كان هناك أشخاص منافسون له لكن صاحب الكلمة الأساس كان أبا سفيان، فلما صارت قضية صلح الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وآله على أن يرجع النبي تلك السنة ولا يدخل مكة، بعد سلسلة
من الهزائم التي صارت عند قريش على يد رسول الله صلى الله عليه وآله ما بقي عند القريشيين إلا هذا المقدار أنه هذه السنة لا تدخلوا إلى مكة. ما الفرق بين هذه السنة والسنة المقبلة؟ ادخلوا السنة المقبلة؟ لا يوجد فرق، لكن نريد أن يقال إننا لدينا قرار، ومنعنا النبي من أن يدخل إلى مكة مع المسلمين، النبي صلى الله عليه وآله (وما دُعي إلى خطة فيها رفق إلا وأجاب)، وهذا محل اقتداء يجب أن يكون عندنا، عندك ثلاثة حلول، أربعة حلول للمشاكل، حل بالبتر والقطع، وحل بالضرب، وحل بالهدوء والكلام الطيب حتى لو كان بحسب الظاهر ليس في مصلحتك، لا تقل أنا كلمتي لا تتثنى، وما (أطيح كلمتي على الأرض) ولو يأتي أكبر واحد لا أتراجع، هذا حمق، هذا
جهل، لا سيما في أمور المفاوضات مع آخرين على خلافك، لأنه لو أنت قلت أنا كلمتي (ما تطيح على الأرض)، وذاك قال أنا أيضا (كلمتي ما تطيح على الأرض)، معنى ذلك لا بديل عن الحرب، لا بديل عن المواجهة، وقد تكون أنت المغلوب وقد يكون هو المغلوب، لكن خسائر كبيرة، لماذا؟ لأنه أنا كلمتي لا تتثنى ولا أحد يستدرك على كلمتي. لا أنا كلمتي تتثنى ٢٠ مرة إذا كان في ذلك مصلحة المجتمع، ما هي المشكلة؟ أنا لست إلها حتى كلمتي هي الكلمة العليا والحق، خصوصا في المشاكل، مشكلة بين الزوج وزوجته، مشكلة بين الأخ وأخيه، مشكلة بين فئة وأخرى، بين جماعة وجماعة أخرى، دع هناك طريق الرفق. فكان النبي صلى الله عليه وآله (لا يُدعى إلى خطة فيها رفق
إلا وأجاب)، الآن طالع من المدينة المنورة وواصل إلى الحديبية على بعد مسافة قريبة من مكة، يعني بينهما مسافة ٣٥٠ كيلو متر على الأقل، هو الآن قاطع طول هذا الطريق، لو كان غيره كان يقول لا نحن طلعنا ويجب أن نصل، يرضى من يرضى أو نفتحها بأسيافنا، خصوصا أنه تغلب عليهم طول هذه الفترة، فالنبي استجاب لذلك، وكان من جملة الشروط أن يرجع النبي بأصحابه ولا يدخل مكة هذه السنة، ويأتي السنة القادمة في نفس الموعد. أشياء أخرى أيضا كان فيها، من جملتها ألا يناصر أحد الطرفين حلفاءه على الخليف الآخر، بنو بكر كانوا حلفاء قريش، وخزاعة كانوا حلفاء رسول الله صلى الله عليه وآله، يعني لو صارت مشكلة بين بني بكر وبين خزاعة المفروض لا قريش تتدخل في نصرة