من كل سنة يُحيي الملايين واقعة الطف حتى في بلدان لم نكن نسمع عن اسمها، تصلنا أخبارها موثقة بالصورة الثابتة وبالصورة المتحركة في مقاطع مرئية وبلغات مختلفة وسحنات متعددة. كلهم يبكي الحسين ويحيي ذكراه. تشييد قبر الحسين (عليه السلام) دُفن الحسين بكل إجلال وتقدير، بل جاء المختار الثقفي وشيَّد عليه قبة من جُصٍّ وبقيت زمنًا، حتى جاء حكام الجور من بني أمية وبني العباس ليهدموا هذا القبر وما بُني عليه. يذكر المحقق الشيخ محمد صادق الكرباسي في موسوعة (دائرة المعارف الحسينية)( ) بالتواريخ الدقيقة أسماء من هدم قبر الحسين وأعفاه وجعله ترابًا، ويُحصي عدد مرات الهدم البالغة ١٥ مرة في نحو ١٤٠٠ سنة، فيها دُرس قبر الحسين تمامًا ورُفعت العلامات عنه ومُحيت آثاره. لعن الله قاطع السدرة روي عن رسول
الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "لعن الله قاطع السدرة، ثلاثًا"( ). لم يكن لهذا الحديث الشريف معنى واضحًا حين صدوره؛ فهل المراد منه العموم؟ أي لعن اللهُ كلَّ من يقطع سدرةً أنى كانت؟! أم أن المراد مصداق خارجي؟ إلى أن جاء زمن هارون العباسي، وكانت هناك سدرة قرب قبر الحسين (عليه السلام) وأريد أن تُعفى الآثار لتصبح الأرض صحراء قاحلة لا أثر للحياة فيها فقطعت هذه السدرة، حينها علم الناس أن المراد من لعن رسول الله لقاطع السدرة هو مصداق خارجي واحد ينطبق على السدرة المجاورة لقبر الحسين. الحائر الحسيني وأما في زمن المتوكل العباسي( ) فيحصي المؤرخون أنه درس قبر الحسين أكثر من مرة، فإنه كرب قبر الحسين وحرثه وأجرى عليه الماء حتى يتحول إلى مزرعة، فحار
الماء ودار حول قبر الحسين( ) ولم يغمره كرامة من الله عزَّ وجلَّ. تشييد قبر الحسين نحن نرى أنه في أثناء خمسة عشر قرنًا حاول الظالمون أن يخفوا قبر الحسين (عليه السلام)، لكي يمتنع الناس عن زيارته؛ فإن إخفاء القبر لا غرض منه إلا المنع من الزيارة كما فعلت الحكومات الجائرة التي حكمت العراق، وحين لم يتمكنوا من إخفاء القبر، وضعوا العراقيل وفرضوا الغرامات، بل أكثر من ذلك أزهقوا الأنفس وقطَّعوا الأيدي لكيلا يصل الموالون المحبون لقبره الشريف. لكنهم (الموالين) كانوا يشيِّدون قبر الحسين كلما دُرس، ويقيمونه كلما اندثر، وكانوا يُقدِّمون أنفسهم وأرواحهم فداء لأبي عبدالله، فلم يكن الولاء بالقلب فحسب، بل كان يَظهر على جوارحهم ويتمثَّل في سلوكهم. تغيير مناسبة عاشوراء من حزن إلى فرح غيَّر الاتجاه الأموي مناسبة
عاشوراء من مناسبة للحزن والأسى والغم نتيجة ما ارتُكب من جريمة شنعاء على ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إلى مناسبة للفرح والابتهاج والسرور( )؛ بحجة أن نبي الله موسى (عليه السلام) انتصر على فرعون في زمانه، فحقَّ لنا نحن المسلمين أن نفرح بذلك. ولعمري لستُ أدري إن هذا يستبطن إشارة خفية بأن الحسين فرعون ويزيد هو موسى! وأن موسى العصر انتصر على فرعون العصر! كيف لمسلم أن يفرح وتوزَّع الحلويات وتُلبس الأطفال ملابس الزينة ويصوم شكرًا لله ويُتبرك بهذا اليوم كما جاء في الزيارة: "اللهم إن هذا يوم تبركت به بنو أمية وابن آكلة الأكباد اللعين ابن اللعين على لسانك ولسان نبيك صلى الله عليه وآله"( )، وفي بعض البلاد هناك أطباق خاصة بيوم عاشوراء، وأموال توزَّع
على الأطفال (عيديات) فرحة وابتهاجًا بيوم عاشوراء حاله حال عيدي الفطر والأضحى؛ فتحوَّلت المناسبة من حزن وأسى وفاجعة ومواساة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى مناسبة فرح وسرور وعيد، وربوا أجيالًا على هذا النهج. صيام يوم عاشوراء فرحًا وابتهاجًا وأضيف إلى ذلك بُعدٌ دينيٌّ حينما أفتوا باستحباب صيام يوم عاشوراء شكرًا لله!، والعجب أنهم يستنكرون على أتباع أهل البيت (عليهم السلام) إحياء عاشوراء بالحزن والبكاء واللطم على سيد الشهداء، وهي قضية مضى عليها ألف وأربع مئة سنة؛ فتلك أمة لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، فما شأنكم أنتم في قضايا التاريخ التي انتهت إلى غير رجعة؟! وبهذا المنطق نقول لهم: إن ذلك ينسحب على إحيائكم (كما تزعمون) قضية موسى وفرعون التي مضى عليه ثلاثةُ آلاف ومئتا سنة، مع أنها