برغم الحروب عليه.. يبقى الحسين

برغم الحروب عليه.. يبقى الحسين
00:00 --:--

برغم الحروب عليه.. الحسين يبقى

كتابة سماحة الشيخ سمير الربح

بالرغم من أجواء المصيبة والحزن التي تحيط بالإنسان المؤمن من جميع جوانبه بمصاب الحسين، وحقَّ له ذلك؛ فإن مصيبة الحسين (عليه السلام) مصيبة جلَّت وعظُمت في السموات على أهل السموات، وجلَّت وعظُمت على أهل الإسلام، ولكن مع ذلك ينبغي أن نستفيد من دروس هذه المصيبة الراتبة والمأساة العظيمة؛ لكي ننتهي إلى أن الحسين (ع) بالرغم من الحروب التي شُنَّت عليه (ولاتزال).. بالرغم من الحروب السابقة واللاحقة.. الباقية المستمرة؛ إلا أنه لازال باقيًا في ذكره خالدًا في دروسه حيًّا في ضمير كل إنسان حي. أرادوا أن يقضوا على الحسين جسدًا وذكرًا وفكرًا وأثرًا وثقافة، ولكنه بقي، فإنه كلمة الله، وكلمة الله هي العليا. وإذا أردنا -باختصار- أن نشير إلى ما حدث ويحدث في عالم المسلمين من أجل طمس الحسين ومحو آثاره

لتعجبَّنا؛ كيف أن هذا النور، وهو نور الله الذي لا يخبو وسيفه الذي لا ينبو، جرى عليه ولازال يجري كل أنواع الظلم والاضطهاد بغرض إبعاده عن الأمة. تعرَّض لشتى أنواع الحروب. لم تكن حربًا واحدة في معركة انتهت بنهاية نهار يوم عاشوراء من سنة إحدى وستين للهجرة، بل كانت البداية.. بداية لمعركة طويلة لـمَّا تنتهي فصولها بعد. محاولة القضاء على جثة الحسين (عليه السلام) لماذا بعدما قُتل الحسين (عليه السلام) أصدروا أمرًا برض صدره وجسمه بحوافر الخيل.. وليست أي خيل، إنها خيل الأعوجية، ولم يدفن بل لم يوارَ جسدُه التراب. لماذا؟ لماذا لم يلقَ في حفرة تواري جسده الشريف، وإن لم يكن دفنًا حسب المتعارف عند المسلمين. إنهم لم يسمحوا بذلك فبقي جسده في العراء. ولتعليل هذا التصرف الشنيع، هناك

من يرى أن الدافع في ذلك هو حقد شخصي وانتقام من عبيدالله بن زياد بأمر من عمر بن سعد، فهؤلاء حثالة البشر يُتوقع منهم ذلك. لكني أرى أن الأمر أبعد من ذلك، مع أني لا أنفي هذا الحقد على ابن بنت رسول الله. إنه من أجل إزالة أي أثر يُبقي الحسين (عليه السلام)؛ فرُضَّ جسدُه بحوافر الخير وفُصل رأسُه الشريف ثم رُفع على رمح طويل، وتُرك بلا مواراة. وليس في بالهم أن الله سبحانه له تدبير آخر، فكما هم يكيدون، فإن الله يكيد بهم، وسيُقدِّر بعد أيام مجيء الإمام السجاد (عليه السلام)، ويلتقي ببني أسد ويَدفن أباه في تلك الأرض المختارة. إنهم لا يعلمون ذلك، ويظنون أن الأمر سيسير وفق تخطيطهم، فكانوا يتوقعون أن جسدًا مُقطَّعًا مُرضَّضًا إمَّا ستأكله الوحوش

الضارية؛ فإن أرض كربلاء صحراء مفتوحة وكانت أرض مسبعة يكثر فيها السباع التي تلتقط من بعيد رائحة الدم واللحم، والطيور الجارحة ستكمل البقية إن بقي شيء! وينتهي كل شيء فلا حُسين ولا شهادة ولا قضية. وكأن شيئًا لم يكن، وحسب تعبيرنا: "لا من شاف ولا من درى". لا يزداد أثره إلا ظهورًا وأمره إلا علوًا وأشارت إلى ذلك السيدة زينب بنت علي (عليهما السلام) حينما رأت ابن أخيها زين العابدين (عليه السلام) وروحه تكاد أن تُزهق من هول المصاب أسى وحزنًا على أبيه؛ فسألته: "مالي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي؟ فأجابها: وكيف لا أجزع ولا أهلع، وقد أرى سيدي وإخوتي وعمومتي وولد عمي وأهلي مُصرَّعين بدمائهم مُرمَّلين بالعراء، مُسلَّبين لا يُكفَّنون ولا يُوارَون، ولا يُعرِّج عليهم أحد،

ولا يقربهم بشر، كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر. فقالت له: لا يجزعنَّك ما ترى؛ فواللهِ إن ذلك لعهد من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى جدك وأبيك وعمك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض، وهم معروفون في أهل السماوات أنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرجة وينصبون لهذا الطف علمًا لقبر أبيك سيد الشهداء (عليه السلام) لا يدرس أثره، ولا يعفو رسمه، على كرور الليالي والأيام وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلا ظهورًا وأمره إلا علوًا". هكذا أرادوا، وأراد الله غير ذلك: "إِنَّهُمۡ یَكِیدُونَ كَیۡدࣰا وَأَكِیدُ كَیۡدࣰا"( )، ورأينا كيف مكر الله بهم، وكيف غلبتْ إرادتُه إرادتَهم. هكذا بقي الحسين؛ ففي عاشوراء

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة