ثم يتعرض إلى جانب من جوانب الإرشاد والموعظة، شرح آية، شرح رواية وغير ذلك، ثم بعد ذلك ما يسمى بالتخلص، ويُعرف عند الخطباء بالكوريز، الكوريز أصل الكلمة هي كلمة فارسية، كوريز يعني تخلص وهروب وفرار، كأنما الخطيب عندما يشرح الموضوع يتخلص منه بالذهاب إلى موضوع كربلاء، فهذه ثلاثة أقسام أساسية، ذكرنا في بعض الأماكن أن هذه الديباجة التي يبدأ بها الخطباء لا نعلم بالضبط من الذي أقرها بهذه الطريقة، ولكن من يكون الذي أقرها لا شك أنه كان موفقا كثير التوفيق، لما تحمله من معان، لاحظوا مثلا في خطب الجمعة، قسم من الناس يبدأ بديباجة معينة، (بسم الله وبالله، نحمده ونستعينه، ونصلي على رسوله، ونستغفره من ذنوب أنفسنا وشرورنا، إلى آخره)، ثم يدخل في الموضوع، هذا يسمونها ديباجة، الخطب في
غير المنبر الحسيني متعددة الديباجات، البعض يأتي مثلا بديباجته أنه يثني على حاكم البلاد، على الخليفة، على كذا، ثم يذهب في موضوعه، المنبر الحسيني اتخذ له شخصية في ديباجته من نفس قماشته، فأنت ترى مثلا، أول ما يبدأ عادة بالصلاة على محمد وآل محمد، عادة يصلى على رسول الله، يقول: (صلى الله عليك يا رسول الله، صلى الله عليك يا نبي الله، وعلى أهل بيتك الطاهرين...)، ثم يعطف بالصلاة بشكل خاص على الحسين عليه السلام، هذا الأمر وهو انتخاب البداية للصلاة على رسول الله، والصلاة على أهل بيته، والصلاة على الحسين عليه السلام، فيه معنى عميق، أولا باعتبار أنه دعاء، فهو ذكر لله، فلا يبدأ الإنسان شيئا إلا بهذا الذكر، ثم باعتبار أنه صلاة على رسول الله وعلى أهل بيته،
فهو استجابة لما جاء في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وفي ذلك من ربط الناس بأهل البيت عليهم السلام، وأن يكون هذا جزءا أساسا على خلاف قسم من الخطباء من غير هذه المدرسة، تراه في كلامه العادي يطول ويعرض ويمطط وإلى آخره، فإذا جاء إلى الصلاة على رسول الله كبسها كبسا، (صلى وسلم) أو ما شابه ذلك، يعني ضاقت الدنيا وضاق الوقت عن أن يصلي على رسول الله بفم مفتوح، وعلى أهل بيته بهدوء وباسترسال، لازم يكبسها، لازم تضيع، وأنتم تستطيعون أن تروا هذا الشيء، وتلاحظون بعض هؤلاء كيف يطلقون الصلاة، هذا الخطيب لا، هو يتعمد ويتقصد كجزء من ديباجته، جزء من هذه الديباجة أن يصلي
على رسول الله عليه وآله وسلم، على أمير المؤمنين عليه السلام، على الحسين عليه السلام، وهكذا، هذا واحد من الأمور، تُذكر فيها أيضا فكرة عقائدية مهمة، وهي ما يعبر عنه، هكذا: (ما خاب من تمسك بكم، وأمن من لجأ إليكم)، هذه فكرة عقائدية في غاية الأهمية، أن الذي يتمسك بأهل البيت عليهم السلام، ويلجأ إليهم، هذا ليس خائبا، وهو فائز لا سيما في الآخرة، هو آمن، (أمن من لجأ إليكم)، الأمان والضمان هو بهؤلاء، وهو مفاد حديث الثقلين: "إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض"، ومثل حديث، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض"، فالذي يتمسك
بهم هو فائز، وغير خائب، وناج،ٍ جعلنا الله وإياكم جميعا منهم، هذا أمر ثان. الأمر الثالث في الديباجة ولا نزال فيها أيضا، إن هذه الديباجة هي أشبه بموقف عملي للمتكلم الخطيب وللسامع في هذا المجلس أو ذاك، (يا ليتنا كنا معكم، فنفوز فوزا عظيما)، التمني أن يكون الإنسان في هذه الجبهة، دون غير هذا هو موقف، وهذا يؤجر عليه، الحديث المعروف عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من أحب قوما حشر معهم، ومن أحب عمل القوم أشرك في عملهم"، أنت إذا تتمنى أن تكون مع أصحاب الحسين ومع الحسين عليه السلام، فكأنك قد حصلت على ثوابهم ومنزلتهم، وهذا ما ورد صريحا في كلام الإمام الرضا عليه السلام للريان بن شبيب،