كتابة الفاضل علي السعيد يتناول حديثنا هذه الليلة شيئا مما يرتبط بالمنبر الحسيني الذي غدا في هذا الزمان بل قبل هذا الزمان أيضا الوسيلة الكبرى في التأثير على شيعة أهل البيت عليهم السلام، وفي تثقيفهم بما يرتبط بأمور دينهم ومذهبهم، أما أنه لا يزال هو الوسيلة الكبرى فما كان بالعيان لا يحتاج إلى برهان، نحن لا نجد وسيلة من الوسائل الإعلامية، من التلفاز، والكتاب، والجريدة، والمجلة، وغيرها، تمارس نفس المقدار من الانتشار، ونفس المقدار من التأثير، الذي يقوم به المنبر الحسيني، فهذا المنبر وهذا المأتم سهل التناول، يعني لا يحتاج إلى بروتوكولات مفصلة، أربعة أو خمسة أشخاص يجلسون في مكان يضعون كرسيا، وشخص يصعد المنبر، هذا هو، بينما أي وسيلة أخرى تريد أن تقوم بها وتؤسسها لابد لها من ميزانيات
كبيرة، ومن أجواء خاصة، ومن خطط، ومن كادر، وإلى آخره، الآن لو فكر إنسان على سبيل المثال أن يفتح له جريدة أو مجلة أو يؤلف كتابا أو فضائية أو غير ذلك يحتاج له من الإعدادات الشيء الكثير، ومن الميزانية كذلك، بينما المنبر والمأتم الحسيني لا يشترط فيه مكان، يجد مسجدا فجيد، إذا لم يجد، يجد حسينية، لم يجد حسينية، في بيت الإنسان، وهكذا، سهولة تناول المنبر الحسيني من مختلف الجهات جعله أكثر شيوعا من سائر الأمور، وبتبع ذلك جعله أكثر انتشارا وتأثيرا، لأنه كلما ازدادت القيود قل الموجود، ندوة على سبيل المثال تحتاج إليها ترتيبات خاصة ومعينة وما شابه ذلك، أجهزة وغير ذلك، المأتم الحسيني والمنبر الحسيني أُخِذت فيه هذه السهولة، والتأسيس الذي بُدئ به، وسنتحدث شيئا ما عنه فيما
بعد، أُخِذت فيه هذه المسألة الهينة والسهلة، كذلك أيضا هذا المنبر والمأتم ليست فيه اشتراطات في المستوى، عادة بعض الاجتماعات والجلسات إما هي متخصصة، إذا جلسة طبية مثلا إنما يأتي إليها الأطباء ومن لديهم ثقافة طبية، إذا كانت في مجال ميكانيكي أو إلكتروني أو غير ذلك نفس الكلام، الأعمار أيضا تتحدد بحسبها، بينما المنبر والمأتم الحسيني تجد فيه ابن العشر سنوات وابن الثمانين سنة وما بينهما، لا يُشْترط مُسْتمع خاص فيه بمستوى خاص، ولا عمر خاص، وهذا يجعل كل الطبقات قادرة على الحضور إليه، والاستفادة منه، كل بحسبه، هذه من الأمور التي جعلت المنبر الحسيني منتشرا كثيرا ومؤثرا، أضف إلى ذلك أنه التصق بقضية الإمام الحسين عليه السلام، وهي تملك من الجذب العاطفي والشعوري ما لا تملكه قضية أخرى، مهما
كانت تلك القضية، أمر الحسين عليه السلام أمر خاص، فيه جهة اختصاص لا نجدها حتى بالنسبة إلى أمير المؤمنين عليه السلام، بل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وهذا كما ذكرناه في ليالٍ مضت ونكرره، لا يعني الأفضلية، وإنما يعني الخصوصية، الله سبحانه وتعالى جعل للحسين عليه السلام خصائص، تعرضنا لبعضها، مثلا في الحديث عن تربة الحسين، في الحديث عن استجابة الدعاء تحت قبته، في الحديث عن أن الأئمة من ذريته، وهكذا، وذكرنا في وقتها أن الأمر لا يرتبط بالضرورة بالأفضلية على غيره كرسول الله صلى الله عليه وآل وسلم، الذي هو أفضل منه قطعا، والإمام أمير المؤمنين عليه السلام، الذي هو أفضل منه قطعا أيضا، وإنما هذه خصوصية للحسين عليه السلام، فكان هذا المنبر الحسيني الذي يُفترض أن
الواضع لأساسه كان الإمام زين العابدين سلام الله عليه، فتقريبا أول منبر مع بيان الخطة فيه، وتطبيق تلك الخطة، كان من الإمام علي بن الحسين عليه السلام، أي بعد شهادة الإمام الحسين عليه السلام مباشرة، في أقل من شهر من الزمان، عندما وصلوا إلى الشام، والقضية معروفة لكم بحمد الله، فقام خطيب من خطباء السلطة المنافقين وشتم عليا والحسين عليهما السلام، وذكر يزيد بالمدح والثناء، فقال الإمام السجاد عليه السلام: "ويلك أيها الخاطب! اشتريت رضا المخلوق بسخط الخالق؟ فتبوأ مقعدك من النار"، يعني أنت من أجل أن ترضي الخليفة والحاكم أعقبك كذلك سخط الله عز وجل، وبئست الصفقة، بئس البيع والشراء، اشتريت سخط الخالق برضى المخلوق، ثم إن الإمام السجاد عليه السلام قال ليزيد: "ائذن لي حتى أصعد هذه الأعواد"،