عارفين، نعم هناك فئة من هؤلاء متعصبون طائفيون ومعادون إلى هذا التوجه، إلا أن أكثر الناس إنما هم مغيبون عن هذه الحادثة. نرجع إلى حديثنا الأول، لما تقولون إن حادثة كربلاء وقضية الحسين ومأساته أعظم مصيبة في الكون؟ أهل السماوات جلت عندهم، أهل الأرض جلت عندهم، في زيارة الناحية: (بَكَتِ السَّمَاءُ وَسُكَّانُهَا، وَالجِنَانُ وَخُزَّانُهَا، وَالهِضَابُ وَأقْطَارُهَا، وَالبِحَارُ وَحِيتَانُها)، إلى حد أنه في بعض الروايات ذُكر أنه: (وما يُرى وما لا يُرى بكى على أبي عبدالله الحسين عليه السلام)، كل هؤلاء يؤرخون هذه الحادثة ويحزنون لها، بهذا الحجم فعلا القضية كبيرة أم لا؟ ألا يكون قتل ملايين من البشر أعظم؟ ألا يكون في بعض الحالات تقطيع الأجسام وتذويبها مثلا بالأسيد غير ذلك؟ ألا يكون هذا أكثر؟ الجواب كما قلنا في عدة
نقاط: النقطة الأولى: إن قضية (الأعظم) و(الأقل)، نحن لا نستطيع أن نحددها في الأمور الظاهرية، وأما في الأمور غير الظاهرية، لا سبيل لنا إلا ذلك، يعني، أنا أستطيع أن أقول إن هذه البناية أكبر من تلك البناية، واضح؟ لنفترض هذه عشرة طوابق وتلك مثلا خمسة طوابق، هذه مساحتها ألف متر وتلك مساحتها عشرة آلاف، في الأمر الظاهري أستطيع أنا وأمثالي من الناس أن نحدد أيهما أعظم أو أيها أكبر، وأما في الأمور الظاهرية، أمور المعنويات، أمور العبادات، أمور المنزلة عند الله عز وجل، هذه لا نستطيع أن نتعرف عليها إلا بالإخبار الإلهي إخبار الله عز وجل، مثلا: هل هو الأعظم أن أصلي مئة ركعة في النهار مثلا أو الأعظم أن أبكي في الليل بمقدار خمس دقائق من خوف الله؟ هذه
قضية ليست ظاهرية، ولا تستطيع أن تحسبها على هذا الأساس، لا، ليس كذلك، الصلاة مئة ركعة معنى ذلك أن الإنسان يحتاج إلى جهد كبير فيها، ويقرأ كذا من آيات القرآن، إذا مئة ركعة فيها، ويبذل فيها وقتا أطول وجهدا أكثر، فهي إذن أفضل؟ لا يمكن أن يجزم الإنسان بها الأمر أبدا، وإلا كان كاذبا، لماذا؟ لأنه قد تكون في هذه الأمور وهذه المقاييس وقد لا تكون هذه هي المقاييس، لذلك أنت تتعجب مثلا لدينا ما ورد من الروايات أن قطرة دمع، دمعة واحدة في جوف الليل من خوف الله عز وجل تطفئ بحارا من النار! ما هي مقاييسها الظاهرية؟ أبدا لا يمكن أن يكون مفهوما، دمعة واحدة تطفئ بحارا من النيران! أنا إذا النار مشتعلة في مكان معين ما هو
القدر من الماء الذي تريده حتى تطفئها؟ بحار من النار ما هو القدر الذي تحتاجه إلى إطفائها؟ شيء كبير جدا، هذه الدمعة ما هو مقدارها الظاهري؟ ليس لها مقدار، ولكن أخبرنا الله عز وجل الذي خلق النار وغضبها، وخلق الخشوع والدمعة الخاشعة، ورد في الروايات عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو عن أهل بيته صلوات الله عليهم أن هذه الدمعة الصغيرة البسيطة تطفئ ذلك الأمر، في المقابل ورد في الروايات عن أبي عبدالله عليه السلام قال: (درهم ربا أشد من سبعين زنية كلها بذات محرم في بيت الله الحرام)، ما هو تفسيرها الظاهري؟ يعجز العقل عنه ولا يستطيع، درهم واحد من الربا، ذاك زنا! الذي هو شيء عظيم، وزنا بذات محرم! في أين؟ في بيت الله الحرام!
هذا لا يمكن بالمقاييس الظاهرية أبدا أن يستوعبه الإنسان، لكن إذا صح الخبر عن رسول الله وعن أهل بيته الكرام، هذا إخبار عن الباري سبحانه وتعالى، والباري هو الذي يستطيع أن يحدد هذا أسوأ أو ذاك أسوأ، هذا أكثر عذابا لو ذاك أكثر عذابا، هذا أعظم أو ذاك أعظم، فأول مرحلة أو نقطة نشير إليها أن قضية الأعظم والأكبر وما شابه ذلك في الأمور الظاهرية التي هي تحت اختيار البشر، يستطيع الإنسان أن يقول، في المساحة، وفي الطول، وفي العرض والوزن، وما شابه ذلك، الإنسان العادي يستطيع أن يصل إلى هذا الأمر، أما في الأمور التي ترتبط بالمعنويات وترتبط بالروحيات وترتبط بالأمور الإلهية، بالثواب وبالعقاب وما شابه ذلك، هذه اختصاص الله سبحانه وتعالى، لا يستطيع الإنسان العادي أن يصل إليها