أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩) إذن نحن لا يمكن أن نصل لحقيقة وماهية هذه الصحيفة ولا صفتها وشكلها إنما نعلم بالنتيجة فهي شيء يسجل فيه أعمال البشر ويعطى لمن هو صالح بيمينه ( يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ) ( هاؤم اقرؤوا كتابيه ) هاؤم بمعنى قولنا ( هاكم ) وهاؤم اسم فعل بمعنى خذ والميم للجميع أي خذوا ، ( كتابيه ) أي كتابي والهاء هاء السكت ( إنني ظننت أني ملاق حسابيه ) الظن في القرآن الكريم جاء بمعنى اليقين في عدة مواضع مثل قوله تعالى ( الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦) ) لأنّ الظن في وقوع القيامة هو نقص في إيمان الإنسان ولكن هنا الظن
بمعنى اليقين والاعتقاد الراسخ والجازم ؛ لذا صاحبه كان مستعدًا لهذا اليوم ( وأما من أوتي كتابه بشماله يقول يا ليتني لم أوت كتابه ) لما احتوى على فضائح ومقدمات للفضائح ( ولم أدر ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية ) القاضية أي التي لا يكون بعدها حياة ، ولكن لا فائدة من الندم فأمه وأصله في دمار وفي مقر جهنم وهذه كلها نتائج صحف الأعمال ، ومواقف الناس مختلفة فترى المجرمين مشفقين نادمين ، بينما المؤمنون في راحة واستبشار وحالة حمد ( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) ) في ذلك العالم سيكون هناك شهود متعدّدون للإثبات وأول أولئك الشهود وأعظمهم هو الله سبحانه وتعالى ، قال تعالى ( وكفى بالله شهيدًا
) كما نقرأ في دعاء كميل ( وكنت أنت الرقيب على من ورائهم والشاهد لما خفي عنهم ) ، وفي عالم الدنيا الرئيس يكلّف شخصًا بمراقبة شخص آخر ، والرئيس لا يعلم شيء حتى يخبره ذلك المراقب ، لكن تعالى جل وعلا مع تعيين الملكين المراقبين هو عالم بكل شيء فلا تخفى عليه الطلائع ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ۖ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ ۖ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (٣ ) نقول في الدعاء ( يامن لا يخفى عليه تصرّف الخطرات ) فكل ما يخطر في بال الإنسان يعلمه الله ، فلو افترضنا ثمانية من مليارات البشر وما يخطر في
بالهم من الخطرات تخطر في بالهم في ساعة واحدة هي كلها تحت سمع الله ورقابته عزوجل ليس فقط أعمالهم بل ما يخطر في بالهم كلها في علم الله ولا يخفى عليه شيء ، ولو خفي على الملكين فإنه لا يخفى على الله تعالى ٢/ الملكان المقربان الرقيبان على الإنسان ، مع أنّ الله ليس بحاجة لتوكيل أحد برقابة الإنسان ، إنما هو جانب تربوي ليشعر الإنسان بقرب المراقبة ، وهذان الملكان لا نعلم حقيقتهما لكنهما موكلان بمراقبة الإنسان ، أحدهما موكل بالحسنات والآخر بالسيئات ، والآمر هو الموكل بالحسنات ، وهذا من رحمة الله وفضله فإذا عمل الإنسان عملا صالحًا أو كانت نيته أن يعمل عملا صالحًا مباشرة يسجل هذه الحسنة بعشر أمثالها ، فّإذا نوى الذهاب للمسجد كان له
ثواب الحضور فكيف بذكر الله والاجتماع بالأخوان والصلاة في المسجد ، فكلها أعمال صالحة مضاعف فيها الأجر والثواب ، ولو صدر عنه ذنب وهو في الطريق للمسجد وقام ملك السيئات بتسجيل ذلك الذنب فإن ملك الحسنات يأمره بالانتظار وقيل في الروايات سبع ساعات لعله يستغفر ويتوب ، فإن لم يتب ولم يستغفر أّثبت الذنب مرة واحدة ، ولو استغفر بعدها غفرها له إلا ما كان من حقوق الناس ، وإن أتى بعدها بحسنة من الحسنات يمحى من سيئاته ، لذلك يستحب أن يصلي علة محمد وعلى آل محمد فإنها حسنة تمحو السيئات ( اللهم صل على محمد وآل محمد ) ونعلم أن ملك الحسنات يسجل ثواب النية الحسنة فورًا بينما ملك السيئات لا يسجل نية الذنب حتى يتحقّق في الخارج