هذه السلسلة أن موضوع العقائد وما يرتبط بالعالم الآخر يحتاج إلى رواية صحيحة، بل إلى روايات تفيد العلم والاطمئنان. فهذا العلامة المحقق الطوسي رحمه الله يقول: "إنّ الروايات الواردة في عالم البرزخ تصل إلى التواتر، والتواتر يفيد العلم" ومن ذلك ما نقلوه عن سيد الأنبياء محمد (صلى الله عليه وآله) من أنه (صلى الله عليه وآله) بعدما انتهت معركة بدر وقُتل زعماء قريش وكانت جنائزهم على الأرض، قام يخاطبهم، ويقول: يا عتبة، ويا شيبة، ويا أمية بن خلف، ويا أبا جهل! إني قد وجدت ما وعدني ربي حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فقال أحد أصحاب رسول الله: يا رسول الله، كيف تخاطبهم وهم أموات لا يسمعون ولا يعقلون؟ قال ما أنتم بأسمع منهم، ولكنهم لا يستطيعون جوابا ولو
استطاعوا لقالوا: (لقد وجدنا ما وعد ربنا حقا) يعني من العذاب والنقمة عليهم . ومثل ذلك، ما ورد عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام عندما مر على مقبرة في الكوفة، خلف المسجد وبعضهم مدفون فيه من زمان. فنادى: يا أصحاب القبور، أما الدور فقد سكنت، وأما الأزواج فقد نكحت، وأما الأموال، فقد قسمت. هذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: أما إنهم لو تكلموا لقالوا: وجدنا خير الزاد التقوى. الشرح: بمعنى يا أصحاب القبور، الأموال تقاسمها الورثة حتى أن الإخوة يكونون على انسجام وتوافق فإذا جاء وقت تقسيم الورث تقطعت الأرحام. ومن ترك زوجته ومات عنها، انقضت عدتها ٤ اشهر و١٠ أيام ثم تزوجت غيره. وأما المنازل فقد سكنت أي مثلا تم بيعه لأجل
توزيع الورث. ولو تكلم أصحاب القبور لقالوا وجدنا خير الزاد التقوى. فإذن في الروايات تصريحات كثيرة، وإشارات كثيرة إلى موضوع عالم البرزخ وما يحصل فيه - سنذكر فيما بعد رواية مفصلة عن الإمام زين العابدين عليه السلام، وأن الإنسان عن ماذا يسأل في ذلك العالم - إذن البرزخ هي الفترة الفاصلة بين الموت وبين البعث والأدلة عليه من القرآن موجودة وصريحة، وكذلك الأدلة من الروايات عديدة وكثيرة إلى حد أن هذا العالم الجليل الطوسي يدّعي عليها "التواتر". ماذا يُسأل؟ ومن يسأل في هذا البرزخ؟ و ماذا يحدث؟ هل أن الناس كلهم يُسألون؟ هل أن القبر لكل الناس إما روضة من رياض الجنان، أو حفرة من حفر النيران؟ ثم ماذا يسأل فيها هذا الإنسان حتى يتحضر ويستعد الجواب: بالنسبة إلى من
يسأل في داخله القبر، هناك قولان: القول الأول: وهو المشهور في مدرسة الخلفاء، وبعض علماء الشيعة. وهو أن كل الناس الذين يفدون إلى القبور لا بد أن يُسألوا. فإما أن يكون نتيجة السؤال (روح وريحان) وينعم إلى البعث، أو نعود بالله يكون في ذاك الاتجاه. إذن يأتي ملك الموت عندنا في الروايات فيُجلس الميت نصف جلسة، وتكون الروح عند حقويه. لا هو ميت كالأموات ولا هو حي كالأحياء. وإنما بالمقدار الذي يستطيع أن يسمع الخطاب، وأن يجيب عليه. ويأتي عندئذ ملكان، المشهور في أسمائهما منكر ونكير -ونسأل الله أن يجعلهما لنا مبشرا وبشير - فيسألانه الأسئلة. هذا الاسئلة قصيرة ومحدودة أشبه بالامتحانات السريعة في المدارس، حتى يتبين هذا الإنسان من أي صنف. فيسألان هذا الميت أسئلة في العقائد، وأسئلة في
العبادات والأعمال سنأتي على ذكر بعضها. إذن القول الأول عند مدرسة الخلفاء وكذلك بعض علماء الشيعة بحسب ماورد من تعميم في بعض الروايات أن كل الناس يُسألون في القبر، وبعد ذلك يتعين وضعه ويتحدد صنفه. القول الثاني: أنه ليس كل الناس يُسألون، وإنما يُسأل من محض الإيمان محضا، ومن محض الكفر محضا، وأما باقي الناس يؤجلون إلى الحساب الأصلي أي تؤجل ملفاتهم للنظر إليها فيما بعد. هذا القول هو المشهور عند علماء الإمامية مستفيدين ذلك مما ورد من روايات معتبرة ومتعددة في هذا الموضوع. فهناك روايات عن الإمام الباقر عليه السلام، وهناك روايات عن الإمام الصادق عليه السلام، وقسم منها معتبر السند. منها ما ورد في كتاب الكافي لثقة الإسلام الكليني - رضوان الله تعالى عليه - بسند معتبر إلى