عالم البرزخ

عالم البرزخ
00:00 --:--

تشير إلى نوع من أنواع النعيم يحظى به هؤلاء الصنف (الشهداء) وما ذلك إلا فيما بعد القبر. فلا معنى ل (وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم) قبل القبر وهم على قيد الحياة، لأنهم فقط يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم، أيضا لا معنى لذلك عندما ينشرون للحساب، لأن الجميع قد حشروا، والجميع قد نشروا وبعثوا، فلا يوجد عندهم حالة انتظار لأحد. فيتعين أن يكون ذلك المكان هو في عالم البرزخ. هؤلاء تقدموا بالشهادة وينتظرون متى يأتون الذين من بعدهم (يستبشرون بنعمة الله عز وجل، وينتظرون أولئك الذين تخلفوا عنهم). وفي مقابل هذا ما جاء في ذكر عذاب آل فرعون الطواغيت المتجبرين الذين منعوا الإيمان عن بني إسرائيل وعن غيرهم: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ)، و بعد ذلك(وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ

فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ). التفصيل في هذا الأمر بين حالتين: الحالة الأولى: أشد العذاب وهي يوم القيامة. لكن قبل هذا تكون الحالة الثانية: النار يعرضون عليها غدوا وعشيا أي في الصبح وجبة، والمغرب وجبة، كلفحة النار. كأحدهم يُقرٍب إلى موضع الجحيم والحميم غدوا وعشيا، بينما في يوم القيامة يُدخلون في النار في أشد العذاب. يتبين من هذا إذن أن هذه الفترة التي يعرضون فيها على النار (غدوا وعشيا) إنما هي في فترة عالم البرزخ، وأما يوم القيامة فإنهم (يدخلون في النار)، و(في أشد العذاب) أيضا. هذه من الآيات التي هي بالملازمة تثبت أمر البرزخ، والعالم الذي فيه عذابًا في مثل آل فرعون، ونعيمًا في مثل الشهداء، بالإضافة إلى تصريح الآية المباركة: (وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) في روايات أهل البيت

(عليهم السلام): الروايات في عالم البرزخ أيضا كثيرة، حتى لقد ادعى المحقق الطوسي الخاجة نصير الدين - رضوان الله تعالى عليه - وأحد كبار علمائنا في العقليات، والفلك، والفلسفة، والعقائد، ومن معاصري العلامة الحلي رضوان الله تعالى عليه وأبيه، والذي كان له دور كبير في إنقاذ تراث المسلمين، وحضارتهم العلمية أمام هجمة المغول، وقد تحدثنا عن سيرته في بعض السنوات الماضية، وقلنا إن المغول عندما جاءوا واحتلوا بغداد أقبلوا على الكتب، وبدأوا بإتلافها وإحراقها تارة، ورميها في النهر أخرى كأي مجموعة لا تقدر العلم والمعرفة. فهنا الخاجة نصير الدين الطوسي رضوان الله تعالى عليه، وقد علم خطورة اتلاف كل هذه الكتب و التفاسير، و المجاميع الحديثية، والعلوم العقلية، والنقلية، والتفسيرية والعقائدية حيث سيكون هناك انقطاع ما بين الزمان السابق، وما

بين الزمان اللاحق. يعني تدمير حضارة علمية كاملة. فالناس الذين سيأتون مستقبلا سيأتون أميين منفصلين عن حضارتهم العلمية، وثقافتهم، وأحاديثهم إلى غير ذلك. الطوسي رضوان الله عليه بطريقة علمية ذكية علم أن هؤلاء يؤمنون كثيرا بقضايا النجوم والفلك والتنجيم، ويعتقدون كمغول بتأثيرها على المصائر، فقد كان عالما فلكيا متقدما جدا، فجاء وتكلم مع أميرهم في ذلك الوقت، وأخبره أنه بإمكانه إفادته في هذا الأمر فائدة كبيرة. يمكنه إفادته متى يقاتل، و متى لا يقاتل، ومتى يقدم على الأمر، و متى يمتنع، وأي نجم جيد، و أيها غير جيد، ولكن هذا يقتضي أن يجمع الكتب التي تتولى هذا الأمر. فجمع كل الكتب التي في بغداد ودمشق وفي سائر الأماكن، وقام بإنشاء مرصد فلكي عظيم جدا جمع فيه الكتب من مختلف مناطق

العالم الإسلامي، فحتى لو دمروا المغول ما دمروا، تبقى هذه الثروة العلمية موجودة. وهو بذلك عمل عملا مهما جدا تحدثنا عنه في كتاب أعلام الإمامية في هذا الجانب، بشكل مفصل. على أي حال - الخاجة نصير الدين الطوسي ألف كتابا في العقائد، وكان دقيقا جدا، وفي نفس الوقت كان صعبًا بحيث قال بعض العلماء "لو لم يشرح العلامة الحلي كتاب الخاجة نصير الدين الطوسي في موضوع الاعتقاد لكان من الصعب على سائر العلماء أن يفهموه فضلا عن أن يشرحوه ويدرسوه" لكن العلامة الحلي على جلالته جاء وشرح هذا الكتاب فيسره لمن يريد من طلاب العلم. من جملة ما ذكر قضية "عالم البرزخ"، وقال: "والنقل بالتواتر يدل على وقوعه".. يعني أحاديث عالم البرزخ أحاديث متواترة، وقد ذكرنا في المباحث الأولى من

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة