هل لديك خريطة للحياة الدنيا؟
كتابة الفاضل علي السعيد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا أبي القاسم المصطفى محمد، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين المكرمين. السلام عليكم أيها الإخوة المؤمنون، أيتها الأخوات المؤمنات، ورحمة الله وبركاته. قال الله العظيم في كتابه الكريم: بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥]، آمنا بالله صدق الله العلي العظيم. ما هي خريطة الإنسان في الحياة الدنيا؟ تعيش ونعيش بإذن الله تعالى فترة من الزمن (٧٠) سنة (٨٠) أو (٩٠)، أقل من ذلك أو أكثر، هذه فترة زمنية المفروض أنها رحلة سفر، من مرحلة الميلاد إلى مرحلة الوفاة، يقطع الإنسان فيها مسافة معينة لكي ينتقل
إلى موضع آخر، هو الحياة الأخرى. كأي سفر من الأسفار يحتاج إلى خريطة، يحتاج إلى دليل في المسير، أقصر الأسفار أنت الآن تريد أن تذهب إليه مثلا، تفكر أولا ما هو الطريق إليه، ثانيا ما هو الطريق الأقصر، ثالثا ما هو الطريق الأقل ازدحاما والأسلم، مع أن المسافة هي نصف ساعة مثلا، لكنك تفكر أولا في أصل الخريطة، ثم في الطريق الأنسب من حيث قصر المدة، والسلامة، وعدم الازدحام، هذا إذا كان بهذا المقدار نصف ساعة أو ساعة، فكيف إذا كان هناك سفر يمتد لمدة (٧٠) سنة، أنت فيه تارة حدث صغير، وأخرى شاب مراهق، وثالثة مكتهل ناضج، ورابعة شيخ وَهِم كبير، وفي ظروف مختلفة. أنت هناك أحوج ما تكون إلى خريطة، ما دمت في السفر البسيط، وقليل المدة، وصغير
المسافة تحتاج إلى خريطة، فأنت في هذا السفر الطويل من حيث المسافة، والكثير من حيث المدة، والمتغير، أنت في مشوار نصف ساعة عادة لا تتغير قواك، في مشوار النصف ساعة لا تتغير أموالك، عادة هكذا، ولكن في مشوار الـ(٧٠) سنة، قواك تتغير وتتبدل، حالات الصحة والمرض تتوالى، الضعف والقوة، العمر المبكر، والعمر المتأخر، وهكذا، فتحتاج أنت هناك إلى خريطة حتما وجزما. المشكلة هي أن قسما من الناس يسيرون في حياتهم هذه الـ(٧٠) سنة بلا خريطة، فعلا هذا ليس أمرا كلاميا، وإنما بالفعل هناك من يعيش حياته بلا خريطة إلى أن يصل آخر الأمر إلى جدار العجز والمرض والموت، قد يستيقظ قبل ذلك بشيء من الوقت، ويقول يا أسفاه على ما فرطت، وقد لا يستيقظ، يعني إلى الآخر يصل ويدق برأسه
حائط الموت وينتهي. فالعاقل هو الذي يبادر في التفكير في خريطة حياته أولا، كم قطع منها؟ إلى أين وصل فيها؟ هل هو يسير على المنهاج الصحيح أو لا؟ إذا كان متأخرا يتعجل في المسير، عندك مشوار مسافة (٨٠) كيلومترا مثلا، وعندك مقدار ساعة واحدة، وصلت إلى نصف المسافة وتكاد أن تنتهي هذه الساعة، ماذا تفعل عادة؟ تزيد السرعة حتى تصل في الوقت المناسب. أيضا هنا نفس الكلام، عمرك الآن مثلا، البعض (٤٠) سنة، (٥٠) سنة، (٦٠) سنة، نقطة النهاية التي ينبغي أن تصل إليها كم وصلت منها؟ العمل الصالح الذي ينجيك وينقذك ويجعلك من أهل الجنة إن شاء الله، كم قدمت فيه من الشهوات والرغبات والتعلقات والدنيويات، وما شابه ذلك من الأمور؟ قياسها إلى الأخرويات ما هو القياس؟ كم المقدار
الراجح على الآخر؟ ما هو الراجح منهما على الآخر؟ أول ما ينبغي أن يفكر فيه الإنسان في هذا الموضوع، ما هي الحياة الدنيا؟ كيف هي الحياة الدنيا؟ أي شيء تكون أو أين تكون هذه الحياة الدنيا؟ عند قسم من الناس ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ ...﴾ [الحديد: ٢٠]، وهو صغير يلهو، لا يفكر أصلا في الوقت، ولا في العمر، هل رأيت مثلا ابنك لما يلعب وعمره مثلا (٣) أو (٤) أو (٥) سنوات، ومرتاح في اللعب، هل رأيته بعد ذلك يقول والله ضاع عمري في اللعب؟ بالعكس هو يراه غاية الحياة هي هذه، لا يفكر أبعد من هذا. (لَعِبٌ وَلَهْوٌ)، بعد ذلك أيضا يلعب على الفرق بين (اللهو واللعب) الآن لسنا