تقديس الحياة الزوجية ٨

تقديس الحياة الزوجية ٨
00:00 --:--

٨/ تقديس الحياة الزوجية

 كتابة الأخت الفاضلة اسراء

من كلامٍ لسيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وآله قال: "من سرَّهُ أن يلقى الله طاهرًا مُطهرًا فليلقهُ بزوجة".

ننطلق في حديثنا من كلام رسول الله وهو حديثٌ عجيبٌ في مفرداته، لو فرضنا أن إنسانًا يسألك سؤالًا قبل أن يعرف تكملة هذا الحديث، من الطبيعي أن تقول أنه من سرّهُ أن يلقى الله طاهرًا مطهرًا فللمرءِ أن يُكثر من الوضوء، وأن يكون دائم الطهارة، أن يغتسل الأغسال المستحبة لكي يُحقق طهارة البدن. وبالنسبة للقلب، فأن يصفي نيته وأن يقرأ الادعية المناسبة في ذلك، وأن يُهذب أخلاقه. عندئذ يلقى الله طاهرًا مُطهرًا.

هذا الحديث يربط الطهارة والتطهير (المُطهريّة) بأن يلقى الإنسان ربه ومع زوجة صالحة. فإذا حصل على زوجة صالحة وقام فيها وقامت فيه بما يرضى الله عز وجل، فهذا الرجل يلقى الله طاهرًا مطهرًا. ولا أجد تعبيرًا أبلغ وأوضح من تقديس الحياة الزوجية مثل هذه المفردات.

كيف نستكشف قداسة الحياة الزوجية في تشريعات الإسلام؟

تعلمون أيها المؤمنون والمؤمنات أن قضية الزواج بالنسبة إلى الشرع تعتبر من المعاملات، فالمسائل الفقهية على قسمين: قسم العبادات، وقسم المعاملات. وبعضهم يضيف إلى ذلك قسم الأحكام على الاصطلاح الفقهي أو الولايات. فالعبادات كالصلاة والصوم والحج وما شابه ذلك، هذه تتقومُ بقصد القربة لله عز وجل. فلو أنك صليت ولم تقصد التقرب إلى الله، فإن هذه الصلاة والصوم والحج تكون حركات لا معنى لها. أما المعاملات، فلا يشترط فيها قصد القربة، فلو أنك أردت الذهاب لشراء كيلو من الطماطم، لا يُشترط قصد القربة في هذا العمل، بل لا يضر فيه عدم القربة حتى. من ناحية أخرى فإنّ الزواج وعقد النكاح هو من المعاملات، لكن مع ذلك قال علماؤنا بما انتهى إليهم من الأدلة بأن الزواج والنكاح مع أنه من المعاملات إلا أن فيه شائبةَ العبادة، فكأنهُ عبادةٌ من العبادات. لذلك الكلام عن تقديس الحياة الزوجية أمرٌ طبيعي بما أن في الزواج جانب عبادي، فلذلك هو يكتسب قداسةً ومنها نفهم آثار هذه القضية وكيف يذهب هذا الإنسان إلى الله طاهرًا مطهرًا. فالشخص الذي عنده معاملات بيع كثيرة لا ربط له بأن يلقى الله طاهرًا مطهرًا، لكن الذي يلقى الله بزوجةٍ فإن ذلك يجعله أمام الله طاهرًا مطهرًا. 

من ذلك أيضًا أن الله سبحانه وتعالى جعل الطريقة الوحيدة للتكاثر البشري والاستمرار الإنساني في قضية الزواج بالطريقة التي قررها الله عز وجل، فصار عندنا نكاح مشروع مبارك ينتج عنه أن يلقى الله طاهرًا، وما عدا ذلك فهو سفاحٌ وزنا وكبيرة من الكبائر لا تترتب عليها آثار. فابن الزنا والعياذ بالله هو ليس ابنًا للرجل أو المرأة الذان أنجباه، بل هو ابنُ زنًا لا يرثهما ولا يُقر الشرع بأنه ابنهما.

لو أنك دخلت مرزعة وأخذت من ثمارها وأكلت منها، لو كان ذلك الفعل بدون رضا المالك فإنّ ذلك حرام، سرقة ونارٌ في داخلك، ولها آثار وضعية على أخلاق الإنسان قد تؤدي إلى النار. ولكن لو أخذت الإذن من صاحب المزرعة فتنتفي كل تلك الآثار، وإنما تكون بركةً. فما الفرق؟ الفرق أن المالك هنا أذن لك. الكونُ كلهُ خلقُ الله عز وجل، هذه المرأة خلق الله وهذا الرجل خلق الله، وهو من أذن بطريقة واحدة للنكاح، وهي أن يعقدا على اسم الله عز وجل وأن يُجريا الصيغة الشرعية في كل ديانة، فيصبح ذلك إذنًا من الله الخالق المالك، ويترتب على ذلك آثار الحديث المروي عن النبي فيلقى الله طاهرًا مطهرًا. في الثقافة الغربية المادية هذا الأمر كلًا وطرًا غير موجود، فهو عبارة عن أن الرجل والمرأة يجتمعان وبالتالي ينتجان الأولاد وما شابه. وهذا تمامًا مثل الرجل الذي ذهب إلى المزرعة وأكل من دون إذن صاحبها ومالكها.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٧٦

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة