فأنت لو أردت أن ترسل رسولًا عنك لعقد اتفاقية تجارية مع شركة أخرى تحتاج إلى أمرين الأمر الأول أن يكون هذا الشخص عنده قابليه لو فهمته وعلمته ودربته يستوعب ما تريد ، والأمر الآخر أن تزوده بكل المعلومات التي يحتاجها لعقد هذه الاتفاقية . وإذا لم تزوده بالمعلومات فإما كل يوم يرجع لك ويسألك عن كل شيئ .
فالله سبحانه وتعالى عندما جعل الأنبياء رسلًا للناس أولًا لا بد أن يكون هؤلاء لديهم قابلية لتحمل الوحي وثانيًا زودهم بهذا الوحي والعلم بحيث لو أراد منهم من أراد من أجوبة على مختلف الأسئلة يستطيعون الإجابة عليه بل زودهم بالمعجزة أيضًا وبالنسبة للأوصياء في عقيدتنا الإمامية فالكلام هو الكلام ، فلا بد أن يكون الإمام علي بن أبي طالب لديه قابلية وأهلية لذلك ووعاء يستوعب كل هذا وبعد ذلك يفرغ رسول الله في هذا الوعاء كل العلم الذي يحتاجه البشر في طريقهم إلى الله عز وجل . فيرث منه هذا العلم ويصبح باب مدينته حتى إذا سأل أحدهم سؤال في أي موضوعٍ من المواضيع يكون الجواب جاهزًا ولا يقول انتظر لأسأل ، تسأل من ؟ النبي توفي فالمفروض أنت الوصي فهل تنتظر أن ينزل عليك الوحي ؟ انقطع الوحي في مثل هذه الأمور بوفاة رسول الله (ص) مع أن جبرئيل كان يتنزل لأنه قسم من الناس يتساءل : كيف تقولون أن جبرئيل نزل ونادى بين السماء والأرض : ( تهدمت والله أركان الهدى ) والحال أن جبرئيل لا ينزل بعد رسول الله ؟ الجواب على ذلك أن نزول جبرئيل متعدد ، نزول الوحي والقرآن انقطع لكن ما تعطل جبرئيل فهو يبقى ذلك الملك المقرب المتصرف ويقوم بأدواره ، فكونه يأتي وينادي بين السماء والأرض هذا ليس وحيًا. كما نزل من قبل ونادى : ( لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي ) هذا ليس وحيًا قرآنيًا وإنما شعارٌ من أجل أن يبقى هذا المعنى ثابتًا وهو يختلف عن يا رسول الله اقرأ بسم الله الرحمن الرحيم .... فنزول جبرئيل متكرر ومتعدد وله أدوار مختلفة .
الشاهد على هذا أن أمير المؤمنين عليه السلام استلم علم رسول الله وسلمه لأبنائه وكل ذلك بطريقٍ غيبيٍ غير معهود وغير معلومٍ للناس ، فأنت ترى مثلًا أن بعض أئمة الهدى عليهم السلام تولوا الإمامة وعمرهم ثمان وسبع سنوات ، فمتى تعلموا كل هذه الأمور ؟ فالقرآن الكريم كم يحتاج الإنسان ليستطيع تفسيره ؟ والعقليات والعقائد كم يحتاج الإنسان والميراث وأبواب الفقه المختلفة والعلوم الأخرى كم يحتاج الإنسان ليدرسها ؟ إذا كان الأمر طبيعي فلا يمكن للإنسان أن يفعل ذلك . فهذا الإمام الجواد عليه السلام أعجز من كان في زمانه من الفقهاء والإمام الهادي كذلك ، فمن أين أتى بهذا العلم ؟ بل غير ذلك أمير المؤمنين عليه السلام من المعروف أنه غير العلوم الدينية والتي هي بحد ذاتها أعجوبة في أن يعرفها والذي كان يقول سلوني وكان هناك من يخالفه ويهمه جدًا لو أن الإمام سئل سؤالًا في أي مجالٍ من المجالات وتوقف عنه فهذا منى مخالفيه عليه السلام . والإمام لم يبرع بهذه العلوم فقط بل حتى في العلوم الأخرى كمبادئ الحساب والميراث ، ينقل أن الإمام أمير المؤمنين جاءه ثلاثة أشخاص ومعهم سبعة عشر بعيرًا أحدهم له نصفها والثاني له ثلثها والثالث تسعها ، والعدد سبعة عشر عقيم تمامًا لا يقبل القسمة على اثنين ولا على ثلاثة ولا أربعة ولا ..... وهم أيضًا لا يريدون تقسيم البعير ولا يريدون ثمنه فماذا يفعلون ؟ ففورًا أمير المؤمنين قال : ائذنوا لي أن أصنع ما أحب ، فأضاف إليهم بعيرًا واحدًا فصار ثمانية عشر ثم قسمه بينهم فأخرج لصاحب النصف سهمه فكان تسعة ولصاحب الثلث سهمه فكان ستة ولصاحب التسع سهمه فكان اثنان وبقي بعيرًا واحدًا وهو الذي أضافه فرجع إليه . فأن يهتدي الإنسان لهذا الأمر وبهذه البداهة والسرعة لم يكن طبيعيًا . أو أن جماعة جاؤوا إليه أثناء خطبته وقال أحدهم : يا سيدي عندي مسألة في الميراث وطرحها عليه وقال أريد أن أعرف نصيب الزوجة وهي أختي ، فقال : صار ثمنها تسعًا ومشى في خطبته فحسبوها فيما بعد فكان الأمر كما قال .