إذاً فإن الشعر الجيد والقوي لا يتأثر بالضرورة بأن تكون عباراته بلهجة شعبية إذا كانت صوره صوراً قوية وأفكاره أفكار كبيرة والتعبير عنها بلهجة وبكلمات مفهومة لعامة الناس.
المرحوم ملا عطية لعل من المؤثرات المهمة في قوة شعره وفي تأثيره في الناس وقبوله أنه حفظ القرآن الكريم مبكراً، فقراءة القرآن يومياً لا بد أن يكون برنامج كل إنسان مسلم ولو صفحة واحدة لأن القرآن الكريم فيه تأثير ذكره عن كلام الله عز وجل: ((لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله)) أي أنه لو جعلنا على هذا الجبل الذي يحتوي ملايين الأطنان من الصخور لو جعلنا له منفذاً للقرآن فإنه من التأثر سنجده خاشعاً متصدعاً من خشية الله، كذلك الإنسان عندما يقرأ القرآن الكريم فإنه يرتقي من كلام الناس العاديين إلى ارتقاء علمه وكلماته لأنه يقرأ كلام الله عز وجل وهو الكمال بلا حدود والقوة بلا نهاية والعظمة بلا غاية، فملا عطية كان أول أيامه ذهب ليتعلم عند كتَّاب من الكتاتيب ولعل ذاك المعلم كان مشغولاً وخصوصاً إذا كان معلم ونسَّاج فإنه ينشغل بنسجه ويغفل طلابه عن تعلم القرآن، فلم يزد ملا عطية إلا ضعفاً، لذلك انتقل إلى امرأة معلمة من آل المسباح فختم القرآن وحفظه في ستة أشهر، ولا ريب أن الآثار النفسية والإيمانية واللغوية أثرت على الملا عطية في شاعريته، كما ينقل عنه أيضاً أنه حظي ببركات أهل البيت عليهم السلام ونفحاتهم، فقد كان يدأب على أن ينشئ شعراً عن الإمام الحسين ولكن لم يكن يخرج منه شعر جيد وفي بعض الرؤى رأى الإمام الحسين عليه السلام وأعطاه سلاحاً بيده فعندما أفاق من نومه وجد أن لديه قدرة كبيرة على النظم واستمر على ذلك لأخر حياته، ولا نستغرب هذا من نفحات محمد وآل محمد.
كانت أوضاع بلاد البحرين مضطربة في ذلك الوقت وكانت تتعرض إلى غزوات وحروب وغارات وسلب ونهب، فهاجر به أبوه مع بعض أخوته إلى المحمرة جنوب إيران وهناك بدأ مشواره الخطابي، وقد تنقل كمال قال من ترجمه مع عدة خطباء على طريقة الصانع، والصانع معروف حتى أنه موجود الآن في بلادنا وهو أن يرافق أحد المتعلمين خطيباً ناضجاً ويأخذ منه خبرته بالتدريج ثم ينفرد ويستقل بنفسه، وهكذا حصل إلى الملا عطية فبعد مدة من الزمان وقد كان يقرأ في المنبر وينظم الشعر أيضاً في الحسين عليه السلام فأخذ الشهرة من الجانبين فهو ينزح من بحر لا ينتهي، حتى بعد مدة من الزمان رجع إلى البحرين وبدأ يُعرَف ويشتهر وأصبحت مسيرته متواصلة عبر أولاده، نسأل الله أن يزيدهم توفيقاً.
الحديث في هذا قد لا يكون له في تفاصيل الحياة نفس الأهمية التي هي للدروس المستفادة من تلك الحياة ومن تلك المسيرة والسيرة، وقد ذكرنا ذلك ذات مره بأن من أهم ما يستفاد من سيرته هي قضية الاهتمام بالقرآن الكريم والإقبال عليه فعندما تقبل عليه بمقدار خطوة فإنك تحصل على خطوات في تأثيره الأخلاقي والنفسي واللغوي وتوفيق الله عز وجل، والأمر الثاني الذي نستفيده من سيرته هو الإقبال على ولاء أهل البيت عليهم السلام وأن يمحض خدمته لهم ومن أجلهم وفي سبيل طريقهم وهو طريق الدين والإيمان والفضيلة، فبمقدار ما يقبل عليهم فإنه يحصل على جزاءه الدنيوي والأخروي، فالجزاء الدنيوي كما نراه الآن بعد أربعين مدة من الزمان فإننا نتحدث عن سيرته عن شأنه رضوان الله عليه وأن ما يقرأ من القصائد في مواسم الحسين عليه السلام فهو يعجز عن العد والحصر، فكيف أن هذا الخطيب المنبري الحسيني الشاعر الولائي يحصل على هذه الدرجات والحسنات بمقدار ما يُقرأ قصيده وشعره في كل مكان فإنه يحصل على ثواب الإبكاء للغير وذكر أئمة الهدى عليهم السلام وإحياء أمرهم.