بخلاف القصائد التي تقال باللهجة الدارجة، فإن أكثر الناس تصل إليهم معانيها ويستطيعون فهمها وفهم ما يريد الشاعر وهذا هو المطلوب لأن الشاعر لديه رسالة ومعنى يريد ان يوصله إلى من يستمع إلى هذا الشعر او من يقرأه، ونحن نلاحظ هذا في الشعر الشعبي والدارج وباللهجة المحكية فإن الناس في كل مكان نشعر بالقرب من معانيه، فعلى سبيل المثال عندما يُقرأ شعر للسيد عبد الحسين الشرع في محيط العراق ومن يفهم اللهجة العراقية نجدهم يتفاعلون معه لأن معظم الدارج عن شعره هو باللهجة العراقية المنفتحة التي تفهم غالباً.
كما سنأتي على ذكر ذلك في شعر ملا عطية الحمري رحمة الله عليه، فهو استعمل لهجة عابرة للمجتمعات، ومع أن اللهجة هي لهجة بحرانية إلا أنك في منطقة الخليج عندما تقرأها تشعر بأنك قريب من الألفاظ وعندما تسمعها تجد بأنها مفهومة بل وحتى عرب جنوب خوزستان في إيران يشعرون كذلك بل وحتى في العراق أيضاً يستشعر السامع بأنه ليس غريباً عن هذه الألفاظ ولا عن هذه المعاني، ولذلك هي لهجة عابرة للمناطق لا تتقيد بمنطقة أو بأخرى، فنلاحظ أن موضوع الشعر الشعبي أو الشعر الدارج باللغة الدرجة قبوله غالباً أكثر من قبل الشعر الفصيح لا سيما إذا كانت ألفاظه عالية المستوى، وهذا في تقديرنا من الأشياء التي نشرت شعر الملا عطية الجمري في أيام حياته وبعد مماته، حتى نُقِل أنه بعض كبار الخطباء كانوا يطلبون منه كالشيخ عبد الزهرة الكعبي رضوان الله تعالى عليه قارئ المقتل الشهير كان يطلب قصائد الملا عطية وكان الملا عطية على قيد الحياة، وأيضاً الشيخ هادي الكربلائي وهو واحد من الخطباء الكبار والمتقدمين جداً في الخطابة في رثائه وفي موعظته إلا أنه كان يحرص على طلب قصائد الملا عطية وكان يقرؤها حتى أن بعضها لم تكن قد طُبِعَت في ذلك الوقت، فلو نظرنا أن الشيخ عبد الزهرة الكعبي قد توفى مقدم جداً قبل خمسين سنة تقريباً أو في حدود ذلك ولم تكن دواوين ملا عطية الجمري كديوان الجمرات الودية في المودة الجمرية بأجزائه الستة لم تكن مطبوعة في ذلك الوقت وإنما كان ينشئ هذه القصائد وعنده بعض الخطباء والمساعدين يكتبوها عنه فتُطلَب هنا وهناك بل هو أيضاً كان يبادر بعرضها على الخطباء.
إذاً فإن الإنشاد باللهجة الدارجة والشعر الشعبي الحسيني في ميزاته أنه يستطيع الوصول إلى كثير من الناس وإلى مساحات واسعة ربما لا يصل إليها الشعر الفصيح، فكون القصيدة شعبية وكونها باللهجة الدارجة لا يعني بأنها ضعيفة لأن الشعر لم يسمى شعراً إلا لأنه العر يلتفت فيه إلى صورة يشعر بها ربما غيره لا يلتفت إليها فيأخذ هذه الصورة ويحولها إلى ألفاظ، فعلى سبيل المثال عندما نمر على حديقة جميلة فإننا لا نكتشف فيها صوراً استثنائية بل نراها جميلة ولطيفة ونرتاح فيها، لكن قد يأتي الشاعر ويكتشف فيها صوراً فيقدمها لنا ويربطها بصور أخرى، وإلا إن كان الشعر مجرد تكرار كلمات وألفاظ فهذا ليس هو الشعر المطلوب، لذلك فإن الشعر هو أن يكتشف الشاعر بعض الصور ويلقيها وينشئ فيها شعراً بلهجة شعبية تارة وبلغة فصحى أخرى ولذلك نجد ملا عطية رحمة الله عليه كان ينظم باللغة الفصحى وإن كان قليلاً شعراً جيداً وقوياً وكان ينشد وينشئ شعراً باللهجة الدارجة وهو الأكثر، وسنعرض بعض هذه الصور ولن نستطيع بالطبع أن نعرض كل ما كتبه، فقد كتب ستة أجزاء بأشكال مختلفة منها بصورة الأبوذية ومنها بصورة الموشح ومنها بصورة بحور الشعر العادية وغالباً ما كان البحر الطويل وأمثال ذلك، لكن جعلها جميعها بكلمات قريبة إلى الناس وهي بلهجته غالباً.