كان في سنة ٩٩٠ فصاعداً مع مجيء المقدس الأردبيلي رضوان الله، الذي كان رجلاً ذو جهات عجيبة، ففي نفس الوقت الذي كان فيه في غاية التقدس والتقوى والورع في أمر العمل وسلوكه الشخصي حتى وصل إلى ما يشبه بالإتفاق على أنه كان يلتقي بإمامنها صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، فهذا كان في جانبه العملي.
في الجانب العلمي كان مجدداً وجريئاً وقوي الحجة، فعادة الإنسان المتقدس يحتاط في فتاواه ويميل إلى التشدد والتورع، وقد كان المقدس الأردبيلي في عمله مقدس ولكن في علمه كان محققاً مجدداً وجريئاً في فتاواه وجرأته ليست فارغة، بل كان واحداً من أقطاب علماء الإمامية، ولذلك كتابه (مجمع الفائدة والبرهان) الذي خلفه وهو موجود ومطبوع يوجد فيه الكثير من الآراء الجديدة والأفكار المبتكرة ولم يكن يتقيد بقول العلماء قبله وإنما كان مجتهداً بحق، وقد ربى أيضاً جيلاً عريقاً من العلماء.
الملا في التعبير الإيراني تختلف عما هو في العربي، فكلمة ملا في العربي ولا سيما في مناطق الخليج تعني قارئ الرثاء، بينما في اللغة الفارسية تعني العالم الكبير جداً، فأحياناً يقال لهذا العالم الملا أحمد الأردبيلي بناءً على هذا التعبير الفارسي.
اجتمع حول الملا أحمد الأردبيلي الكثير من العلماء وبرز منهم أشخاص مثل الشيخ حسن بن الشهيد الثاني صاحب كتاب معالم الدين في الأصول وكان قبل فترة لا يزال يدرس في الحوزات العلمية كما أن بعض الناس لا يزالون يدرسونه ويعتقدون بأنه كتاب نافع من حيث لغته وعمقه العلمي بالرغم من أن هذا الكتاب كان بعد عام ١٩٥٠ أو ١٩٦٠ تقريباً لكن لا تزال موقعيته موجودة، وكذلك صاحب كتاب منتقى الجمان من أحاديث الصحاح والحسان هو نفسه ابن الشهيد الثاني بن الشهيد الثاني رضوان الله تعالى عليه.
من تلامذة الملا أحمد أيضاً هو السيد محمد العاملي صاحب كتاب مدارك الأحكام وهو كتاب استدلالي فقهي مهم عنج الفقهاء، وغير هؤلاء من تلامذتهم الكثيرين، وكذلك عادت مرحلة الإزدهار إلى النجف الأشرف.
المرحلة الثالثة بحسب تصنيفنا هذا هي مرحلة مجيء السيد محمد مهدي بحر العلوم الطباطبائي رضوان الله تعالى عليه، الطباطبائي هو لقب إذا رأيته في مكان يعني أن هذا الشخص ينتهي نسبه إلى الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، فكل طباطبائي إذا صح نسبه فهو ينتمي إلى الإمام الحسن المجتبى سلام الله تعالى عليه لأن من أحفاده رجل يقال له إبراهيم طباطبا فنسبوا إليه، ويقال أنه سمي طباطبا بسبب لدغة في لسانه والبعض يقول أت طباطبا هي لغة عند النبط وتعني سيد السادات، فالسيد محمد مهدي بحر العلوم هو أيضاً نادرة زمانه ومعروف بأنه كان يلتقي أيضاً بإمامنا صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، وتوفي صغيراً في عمر ٥٧ عاماً وله ميزات كثيرة منها:
أنه كان قد أقام في مكة المكرمة أربع سنوات، درَّس فيها في الحرم المكي الفقه الإسلامي على المذاهب الخمسة وكان يحضر إليه من العلماء من مذاهب أهل السنة كما يحضر إليه شيعة أهل البيت عليهم السلام وقد كانوا يرون تسلطه وهيمتنه على آراء وأفكار المذاهب الأخرى تماماً كما هو متسلط ومقتدر على مذهب أهل البيت عليهم السلام، وفي هذه الفترة قام رضوان الله تعالى عليه بتعيين المناسك والمشاعر كما وردت في الروايات، ولذلك علماؤنا يعتمدونها كلها، فمثلاً من أين تبدأ عرفات ومن أين تبدأ منى وأين تكون المواقيت وماهي مواضعها وغير ذلك.
بالإضافة إلى وجود هذا العالم الجليل وبالإضافة إلى علميته المستوعبة حتى إلى باقي المذاهب، كان قد ربَّى جماعة من العلماء هم الذين حملوا بعده عبئ الحوزة العلمية في النجف الأشرف، فقد كان فترة في كربلاء وبعدها انتقل مع أهله ودرسه وعلمه إلى النجف الأشرف، وبانتقاله زاد ازدهار الحوزة العلمية باعتبار أن قسم غير قليل من تلامذته في كربلاء انتقلوا إليه وكذلك قسم من عدة مناطق قصدوه عندما عرفوا أنه في النجف الأشرف ليستفيدوا من علمه، كما أن الحوزة العلمية أيضاً نشطت واحتفَّت لدرجة أن واحد من أعاظمها وهو الشيخ جعفر كاشف الغطاء رضوان الله تعالى عليه هو واحد من تلامذته.