من تاريخ الحوزة العلمية في القطيف
كتابة الفاضلة أم سيد رضا
حديثنا يتناول شيئاً مختصراً عن الحوزة العلمية في بلدنا في القطيف وفي أي المراحل الزمنية كان هناك ازدهار علمي في المنطقة.
في البداية نقدم لذلك بمقدمة عن النظام العام في الحوزات العلمية، فمثلما أن في التعليم الرسمي المعتاد تتقسم مراحل الدراسة إلى إبتدائية ومتوسطة وثانوية وجامعية، فإنه في الحوزات العلمية أيضاً توجد مراحل سيطوي من خلالها طالب العلم هذه المراحل حتى يصل إلى الدرجة العليا وهي درجة الإجتهاد، وما يقال من أن الحوزات العلمية ليس فيها نظام أو أن نظامها اللا نظام لا يعني أمراً فوضوياً، وإنما يعني أن هناك نظاماً متبعاً يسلكه الجميع ولكن من يستطيع أن يتجاوزه بجهده واجتهاده ودأبه فلا يحصره النظام، فمثلاً لو أن شخصاً كان ذكياً فإنه في المدارس الرسمية لا يستطيع أن يقفز ثلاثة إلى أربعة صفوف مرة واحدة، ففي الحالة الطبيعية لا يسمح بذلك، ولكن في الحوزة العلمية لا يوجد عبودية للنظام بهذا المعنى، فلو أن شخصاً جاء في أول سنة وقال أن لديه قدرة علمية وذكاء يستطيع من خلاله أن يطوي ثلاث مراحل خلال سنة واحدة فلا أحد له الحق أن يمنعه من ذلك، وقد وُجِد هذا بالفعل.
عندنا من التجارب المذكورة أيام المرحوم المقدس الأردبيلي رضوان الله تعالى عليه، فقد كان يدرس على طبيعته وطريقته ضمن النظام العام فجاء له اثنان من الطلاب أحدها الشيخ حسن بن الشهيد الأول، والطالب الثاني السيد محمد العاملي صاحب كتاب مدارك الأحكام، فجاؤوا إليه ورأوا أن الطريقة التي يستخدمها للطلبة لا تناسبهم فهم أذكى من ذلك، فقالوا له بأن هذه الطريقة لا تناسبهم لأنهم ليسوا من مقيمي النجف ويريدون أن يرجعوا إلى بلدهم في أسرع فرصة كما أن لديهم قدرة علمية، فطلبوا منه أن يتباحثوا في الكتب من أولها إلى آخرها فإن استصعب عليهم موضوع أو درس فسيرجعون إليه فيها، فوافق على طلبهم بينما سخر باقي الطلبة منهما فقال لهم المقدس الأردبيلي بأنه سيأتي يوم وسترون هذين الإثنين يؤلفان الكتب بينما أنتم من تسبقونهم في الدراسة بخمس أو أربع سنوات ستدرسون الكتب التي يؤلفانها، وقد حصل هذا بالفعل فقد طويا المراحل الدراسية بسرعة واشتركا في درس المقدس الأردبيلي (البحث العالي) ولما انتهوا قام كل واحد منهما بتأليف كتاب، فالأول ألف كتاب (معالم الدين) وهو يدرس إلى أيامنا هذه عند بعض الطلبة، والآخر ألف كتاب (مدارك الأحكام) الذي وصل إلى المقدس الأردبيلي وقد درسه بعض التلامذة الذين كانوا يسخرون منهما.
الشاهد هنا على أن ما يقال عن الحوزة العلمية بأن نظامها اللا نظام أو لا يوجد نظام فيها فإن الأمر لا يعني الفوضى وإنما يعني أن النظام لا يستعبد طالب العلم، فكل على جهده وقدرته كما أنه يستطيع أن يختار من يدرسه ويختار الوقت المناسب له لأن المهم فيها أن يفهم الطالب ما هو مطروح.
لكن قضية النظام العام هو أن البرامج العلمية في الحوزة تنقسم إلى ثلاثة مراتب، فالمرحلة الأولى تسمى مرحلة المقدمات، والمرحلة الثانية يصطلح عليها بمرحلة السطوح، بينما المرحلة الثالثة يقال لها البحث الخارج.
المرحلة الأولى وهي مرحلة المقدمات: تفترض أن الشخص ليس عنده معلومات كافية في أمور مختلفة فيُدَّرس جملة دروس في اللغة العربية (النحو والصرف والبلاغة) لأن اللغة العربية أرضية للإستنباط في الحكم الشرعي، فحتى يفهم الأحاديث والروايات لا بد من أن يتقن اللغة العربية، ولا بد أن يفهم التشبيهات والنكت البلاغية في كلام العرب وفي كلام المعصومين، كما أنه لا بد من دراسة المنطق باعتباره يصون الإنسان وفكره من المغالطات، فهناك مغالطات مشهورة جداً، فبعض الكتَّاب كتب كتاباً في حوالي سبعين مورد من المغالطات التي قد يمشي عليها الإنسان عندما يتحدث بها مع شخص آخر بينما هي ليست صحيحة، ولذلك لا بد من أن يدرس المنطق باعتباره آله تصون الفكر من الخطأ، وأيضاً لا بد أن يدرس في مقدمات ذلك شيء من الفقه وخلاصة للأصول، فقد يكون أصل الفقه رسالة عملية مختصرة كما كانوا يدرسون في زمن سابق (تبصرة المتعلمين) للعلامة الحلي وهو متن فقهي مبسط يكون في جو الفقه بشكل عام وأيضاً مختصراً وخلاصة للأصول، ففي السنوات المتأخرة يدرس غالباً (خلاصة الأصول) للمرحوم الشيخ الفضلي وهو أحد علماء المنطقة، وفي أوقات مختلفة يدرسون خلاصات للأصول، فبعضهم يدرس (معالم الدين) للشيخ حسن بن الشهيد الثاني.