من تاريخ الحوزة العلمية في القطيف

من تاريخ الحوزة العلمية في القطيف
00:00 --:--

إضافة إلى ذلك قد يدرس (بدايات في الفلسفة والحكمة) حتى تكون هذه الدروس معيناً له عندما يدرس في المراحل التالية، كما ان بعضهم يضيف دراسات الحديث ودراسات الرجال، فكل هذا يكون في مرحلة المقدمات.

المرحلة الثانية (مرحلة السطوح): وهي المرحلة الأصلية التي ينبغي للإنسان أن يجتهد ويدأب فيها ويتم التركيز فيها بشكل أساسي على الفقه والأصول، فهناك أيضاً من يستمر في دراسة اللغة العربية والفلسفة وقد يدرس المنطق وقد يدرس الحديث والرجال ويدرس القرآن، لكن التركيز الأساسي فيها يكون على الفقه والأصول، فيدرس فيها مثلاً (اللمعة الدمشقية) وشرحها وأحياناً يدرس قبلها (شرائع الإسلام)، ويدرس (اللمعة الدمشقية) في مستوى متقدم وبعدها (المكاسب) للشيخ الأنصاري يدرسها في مستوى أرفع وهو فقه استدلالي معمق، كما أن في الطرف الآخر يدرس أيضاً كتب الأصول، فمن المشهورات التي تدرس (أصول المظفَّر) للشيخ محمد رضا المظفر رضوان الله تعالى عليه، ويدرس بعدها (الرسائل) للشيخ الأنصاري رضوان الله تعالى عليه، وبعدها يدرس (كفاية الأصول) إلى آخوند الخراساني، بالإضافة إلى مالم يدرسه قبل ذلك، فإن درس هذه الدروس وأتقنها بشكل جيد أصبح مؤهلاً لكي يشترك في البحث العالي الذي يسمى ببحوث الخارج.

المرحلة الثالثة وهي بحوث الخارج: فقد سمي البحث الخارج كذلك غالباً لأنه لا يعتمد على كتاب، ففي الدروس السابقة كان المدرس يأتي ويقرأ من كتاب معين ثم يشرحه، لكن البحث الخارج لا يعتمد على الكتاب بل يأتي الفقيه المجتهد ويحضر مسألة لنفترض أنها من العروة الوثقى أو من منهاج الصالحين وغيره، ثم يعنون ويحدد هذه المسألة مثلاً: قال السيد الفلاني كذا وكذا، وبعد ذلك يبين ما يستدل على هذه المسألة من القرآن الكريم ومن الروايات، فإن وافق صاحب المسألة فحسناً وإن خالفه فلا بد أن يأتي بدليل على خطأ ما اختاره ويختار رأياً آخر ويبرهن عليه.

أيضاً في بحوث الخارج يحق للطلاب والدارسين أن يناقشوا أستاذهم وأن يخالفوه ويخطؤوه فيما اختار، فقد يقبلون ما يطرحه وقد لا يقبلون، فهذا يشكل عند الإنسان قدرة على الإستدلال وعلى رد دليل الخصم وأن يختار لنفسه رأياً خاصاً ويستند فيه إلى دليل معين، فيبقى طالب العلم في بحوث الخارج مدة من الزمان، فإن كان ذكياً ودؤوباً فمن الممكن أن يصبح صاحب رأي خاص وآنئذ يستشعر وجود اجتهاد عنده ويصل إلى مرحلة يقال له (مجتهد)، ثم بعد ذلك قد ينفصل عن البحث الذي كان يدرس فيه ويبدأ هو بتدريس الفقه والأصول على طريقة بحث الخارج ويعتبر واحداً من الفقهاء.

إذاً لا يوجد زمن معين للدراسة الحوزوية، فالبعض ينتهي من مرحلة المقدمات في ثمان سنوات، والبعض يحتاج إلى اثنا عشر سنة وربما بعضهم يحتاج إلى أكثر من ذلك، فكل ذلك راجع إلى دأب وجهد هذا الطالب، وكذلك بحوث الخارج فإنها تعتمد أيضاً على ذكاء ومتابعة ودأب الطالب، فإن كان يحضر كما يحضر أستاذه ويناقشه فإنه قد لا يحتاج إلا إلى سبع أو ثمان سنوات حتى يكون عنده اجتهاد.

نتوجه الآن في الحديث عن الحوزة العلمية في القطيف: 

المنطقة هنا عندها تداخل مع الأحساء وتداخل مع البحرين، وفي كل من الأحساء والبحرين حوزات علمية ووجود علمي قوي في مختلف الأدوار، ولو أردنا أن نتحدث عن كل هذه المناطق سنحتاج إلى ليالي متعددة مع أن الإنفكاك عنهما صعب لأن بعض علمائنا ربما يكونون قادمين من البحرين وبعضهم قد درَّسوا علماء الأحساء والعكس كذلك، لكن قدر الإمكان حتى تكون الفكرة محصورة في المنطقة سوف نقتصر عليها.

نحن أيضاً نلحظ أن هذه المنطقة تعد الحوزة فيها من الحوزات الطرفية وليس من الحوزات المركزية، فمن الواضح أنه توجد مناطق توجد فيها حوزات مركزية كالنجف الأشرف فتاريخها ووجود العلماء وتراثها العلمي جعلها منطقة مركزية للحوزة بل للمرجعية العليا، وكذلك الحال بالنسبة إلى قم المقدسة، بنما توجد حوزات أخرى وإن كان فيها علماء كثر إلا أنها تعتبر حوزة طرفية، ككربلاء مثلاً فبالرغم من أنها بجوار قبر أبي عبد الله الحسين عليه السلام وفي فترة من الزمان كانت فيها المرجعية العليا للطائفة أيضاً في أيام الوحيد البهبهاني رضوان الله تعالى عليه إلا أنها بقيت تعتبر حوزة من الحوزات الطرفية، كلك مشهد المقدسة والبحرين والقطيف وجبل عامل فكلها تعبر حوزات طرفية، ولذلك قد تبرز في فترة من الفترات هذه الحوزة ويكون الوضع العلمي فيها جداً متطور وقد تكون في فترة أخرى يصيبها لركود والخمول والتراجع، وبناء على هذا نلاحظ أن في بلادنا في القطيف في القرن الثالث عشر والقرن الرابع عشر كان أوج وجود العلماء والمقامات العلمية، بينما قبل ذلك بفترة كانت القطيف في فترة ركود، فقد كان يوجد بها علماء ولكن ليسوا بتلك الكثرة ولا بذلك المستوى، بينما في هذين القرنين وجدنا أن الحوزة العلمية في القطيف وأطرافها ونواحيها كانت حوزة متطورة وقوية.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٥

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة