فإلى سنة ٣٠٠ في تاريخ الطبري وتاريخ ابن الأعثم الكوفي وغيره في مقتل الحسين عليه السلام هذه الكتب الكبيرة بمعدل ١٠٠ إلى ١٥٠ صفحة كل واحد من هذه الكتب ذكرت مقتل الحسين عليه السلام ، وأما أولئك الذين كتبوه بشكل مختصر فحدث ولا حرج وقد ذكرنا عن ابن كثير والذهبي وابن الأثير الجزري في الكامل في التاريخ وغير هؤلاء كتبوا أقل من هذا المقدار ولكن من ذكرناهم و هم من حوالي سنة ١٠٠هـ إلى ٣١٤هـ عدد كبير من هؤلاء ذكروا مقتل الحسين فيما لا يقل عن ١٠٠ صفحة وفي بعض الأحيان يصل إلى ١٥٠ صفحة بالتفصيل الكثير .
وعندنا أسبق من هؤلاء وهو الفضيل بن الزبير الرسان الكوفي وهو من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام هذا كتب فقط في يوم الشهادة يعني عندما بدأ القتال من قتل وكيف قاتل وما هو رجزه وما هو اسمه ( الشهداء وقتالهم ) وهذا في زمان الإمام الصادق عليه السلام .
فأولًا عندما نلاحظ سوف نرى أن كتب مؤرخي مدرسة الخلفاء لا يوجد تقريبا كتاب في التراجم مر على ذكر الحسين عليه السلام إلا وذكر مصرعه . فابن سعد البغدادي في الطبقات المتوفى حوالي سنة ٢٣٠هـ عنده كتاب اسمه (الطبقات الكبرى في معرفة الصحابة) وحين يصل إلى قضية الحسين عليه السلام يكتب ما يقارب ٨٠ صفحة في ترجمة الإمام الحسين وفي بيان شخصيته وأكثرها في قضية نهضته ومصرعه وطبعًا هذا توجهه توجه مخفف لأنه كان من ندماء المتوكل العباسي ، فكان من الطبيعي أن لايذكر كل الحقائق وإنما يلاحظ أن المتوكل هو رجل ناصبي بالنسبة لأهل البيت عليهم السلام ومع هذا فإن هذا المقدار الذي كتبه ليس شيئًا قليلًا .
(تاريخ دمشق ) لابن عساكر حين يأتي إلى ذكر الإمام الحسين عليه السلام يترجمه ترجمةً جيدة حتى لتتعجب أن هذا دمشقي وفي أجواء الحالة الأموية ومع ذلك يذكر أمورًا كثيرةً عن قضية الإمام الحسين ويشبه في كثيرٍ منها ما جاء في مقتل أبي مخنف الأزدي . فهؤلاء كتبوا وغيرهم كتب بحيث تم تناقل هذا المقتل وهذا المصرع بل الحركة الحسينية من بدايتها في المدينة المنورة في٢٧رجب إلى شهادة الإمام الحسين عليه السلام وبعضهم إلى ما بعد ذلك . هذا في قضية المقاتل .
الأمر الثاني أن الذين كانوا حاضرين في كربلاء كشهود عيان كانوا على قسمين : قسم في معسكر الأعداء وقسم في معسكر الحسين وكل واحد من هؤلاء نقل قسمًا من المعركة وهذه هي طبيعة الأحداث ، ولنفترض أن حدثًا صار في الشارع وكان هناك حاضرون فإن أكثر الحاضرين عندما يذهبون إلى منازلهم أو مجالسهم ينقلون الخبر إذا كان فيه غرابة وهذا أمر طبيعي عند البشر ، وهذه معركة استمرت مدة ثمانية أيام يعني منذ وصول الإمام الحسين إلى كربلاء إلى أن استشهد ثم بعد ذلك قضية الكوفة والسبي ثم بعد ذلك الشام ، وهذه حوادث هزت الوجدان المسلم وهذا أمر غير طبيعي أصلًا وحتى لغرابتها كان من الطبيعي أن ينقلها الناقلون فقسم من المعسكر الأموي نقلها وأشهرهم كان حميد بن مسلم الأزدي وهذا الرجل من هنا ومواقف أخرى يتبين أن دوره كان أشبه بدور المراسل الصحفي وكان في الحوادث التاريخية من هذا القبيل أن ينقل أحدهم الأحداث ومن برز في المعركة ومن قتل وماذا قال ويدون ما حدث وكان حميد بن مسلم هكذا لذلك قسم كبير من الروايات نقلت عنه فأبو مخنف ينقل عنه إما مباشرةً في بعض الروايات أو بواسطة شخصًا آخر عن هذا الرجل . ولعلك تقول أن هذا الإنسان في صف بني أمية فكيف تنقل عنه ؟ والجواب على ذلك أن هذا أدعى إلى الصدق ، فحين ترى شخص مع أنه في صف بني أمية ومع ذلك ينقل جرائمهم فهذا ليست عنده مصلحة فلو قال أنا فعلت هكذا ومنعته أن يصنع كذا ومنعته من إيذاء النساء ومنعته من قتل زين العابدين هنا نضع علامة استفهام لأنه في هذه الحالة يمدح نفسه ، أما إذا كان بالعكس فهو ينقل جرائم بني أمية وأفعالهم فهذا ليست عنده مصلحة في ذلك بل العكس فهو من الممكن أن يتعرض للمساءلة والأذى فإذا مع هذا نقلها يتبين أن هذا النقل صادق وصحيح لا سيما إذا اعتضد بنقل غيره أيضًا وهذا الذي كان موجودًا .