كيف وصلتنا أحداث كربلاء
كتابة الفاضلة ليلى الشافعي
قال الله العظيم في كتابه الكريم : (ماعِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )
حديثنا هذه الليلة يتناول هذا السؤال كيف وصلتنا أحداث كربلاء بهذا التفصيل الذي نراه في الكتب المحققة ؟
وكمقدمة نشير إلى أن قسمًا من الأعمال التي يأتي بها الإنسان ، بقاؤها في الزمان بقاء محدود جدًا حتى في ذاكرة فاعلها ، فلو سألك أحدهم الأسبوع الماضي يوم الاثنين ماذا كان غذاؤك ؟ ربما تحتاج لفترة طويلة حتى تتذكر ذلك وهذا فضلًا عن غيرك الذي لا يهتم بهذا الموضوع . فحدود هذا الفعل وبقاؤه في ذاكرتك محدود أما لو مرت الأشهر والسنوات فقد يكون من المتعذر تذكره لأنه في الغالب أثره محدود . نعم بعض الأعمال التي يقوم بها الإنسان الصالحة أو الطالحة آثارها تبقى حتى وإن نسيها الإنسان فمن الممكن أن نظرة محرمة وهي كلها لحظات وينساها الإنسان ولكن أثرها يبقى فيسجل الذنب عليه ( أحصاه الله ونسوه ) وأثره أيضًا من ظلمة القلب وما شابه ذلك قد يبقى ما لم يتبعه بالاستغفار والعمل الصالح .
و هناك أعمال طبيعتها أنها تبقى وتستمر مثل كثير من الأعمال الاجتماعية التي ترتبط بالناس فهذه يكون بقاؤها أكثر فيتذكر الناس العمل الصالح الذي قمت به في حقهم لا سيما إذا شواخصه وشواهده باقية . فمثلًا هذا المسجد الشريف المبارك من الممكن أن يبقى إلى مائة سنة وأكثر ويذكر هذا البناء وهذا الصرح بعمل العاملين فيه كالذي جمع التبرعات والذي تكلم مع الناس والذي أدار العملية وغيره ، فهذا يبقى إلى فترة طويلة . وأعظم من ذلك إذا كان الأمر إلهيًا مرتبطًا بالله عز وجل فهذا لا يحده الزمان فإن القرآن الكريم يقول : ( ما عندكم ينفذ وما عند الله باقٍ ) فكم تستطيع أن تمدح وتثني وتكتب وتبشر وتتكلم عن هذه الجهة أو تلك الجهة بالتالي في يوم من الأيام ستموت ومن وراءك سيموت أيضًا لكن هذا العمل الصالح الذي أريد به وجه الله تكفل الله سبحانه وتعالى برفعه وإعلائه (والعمل الصالح يرفعه )
وهذا نذكره كمقدمة لنبين أن بقاء النهضة الحسينية لأنها أريد بها وجه الله عز وجل في الدرجة الأولى وإبقاء الإسلام ونفع الناس بعد ذلك فإن من طبيعتها أن تبقى ولو أراد الظالمون كتمانها وطيها . فالله تعالى يرفع الأعمال البسيطة فكيف بهذه التضحية العظيمة حتى ورد في حديثٍ قدسيٍ معروف : ( يابن آدم عملك الصالح أنت تخفيه وعلي إظهاره )
فأولًا نحن نعتقد أن القضية الحسينية ما دامت لله عز وجل فكان من الطبيعي أن ينشرها الله ويبينها وينميها ويحميها ويثمرها وأن لا تستطيع قوةً على وجه الأرض على طمسها وإخفائها . وهذا في الجانب الغيبي نعتقد به اعتقادًا تامًا . أما حديثنا الآن فهو عن الوسائل التي تم بها حفظ هذه القضية ووصولها إلينا . وهذا الحديث يحتاج إلى الكثير من البحوث التخصصية والحقيقة أنه بحث جدًا مفصل ونحن نشير إلى إشارات مختصرة .
كيف انتقلت هذه القضية ؟
وهذا فيه إجابة لمن يقول أن القدر المتيقن من أحداث كربلاء أن الحسين قتل فقط وأما بقية التفاصيل فكلها احتمالات ولا دليل عليها وهذا القول منسوب إلى أحد العلماء الفضلاء وهذه النسبة كاذبة وأساسًا فإن أي كلام ينسب إلى شخص ولا يذكر المصدر المعتمد في أنه قال هذا الكلام في الكتاب الفلاني وتراجعه أو قاله بصوته في التسجيل الفلاني وتراجعه ، فإن لم يكن في هذين فهو كذبٌ عليه إلى أن يثبت العكس ، كأن تقول أن الإمام الصادق قال كذا وتبحث أين قال هذا فلا تجد له مصدر فهذا كذبٌ على الإمام ولو صنع هذا الفعل أحد ما في شهر رمضان فإن صومه يكون باطلًا لكذبه على الإمام ودون ذلك أن تكذب على العلماء فتقول قال العالم الفلاني كذا وهو لم يقول هذا الكلام أصلًا . فماذا يعني أنه الذي ثبت عندنا فقط أن الحسين قد قتل ؟ علمًا أنه أشد المتعصبين في الاتجاه الأموي لم يقل هذا الكلام ، فابن كثير وهو تلميذ ابن تيمية والذهبي معاصر ابن تيمية وهؤلاء في الاتجاه الأموي لو يستطيعون تغيير كل التاريخ من أجل تبرئة بني أمية فعلوا ذلك ومع ذلك فالواحد منهم يكتب حوالي أربعين صفحة في مقتل الحسين عليه السلام وهو خلاصة ما نذكره نحن مع تغيير بعض الأحداث لتبرئة بني أمية .