غدا في النهار، وإنما في جوف هذه الليلة، ودفن أيضا في جوف هذه الليلة في وقت متأخر، في صورة مخفية لم يشهده كثير من الناس خوفا من أن ينبش قبر أمير المؤمنين على يد أعدائه. ليس فقط الحسين عليه السلام وُطِئ صدره بالخيل، ومُثِل بجثته، وكان هناك خوف من نبش قبره، أمير المؤمنين بقي قبره مخفيا إلى حوالي سنة (١٤٠) هجرية، (١٠٠) سنة من الزمان أُخفي قبر أمير المؤمنين عليه السلام، هذه أيضا مظلوميات الإمام علي عليه السلام. فبقي في مثل هذه الليلة، وبيته يشهد أفواجا من الناس، بين وافد مودع، وبين مُؤبِّن، وبين من يريد أن يلقي نظرة، جاء أصحابه، حِجْر بن عدي الكندي قال كلاما، وغيره أيضا جاء، وكذا حتى قيل إن بعض اليتامى ممن كان يمر عليهم
أمير المؤمنين سلام الله عليه في الليالي، فيهتم بشؤونهم، جاء بعضهم إلى بيت الإمام، قال بعض أرباب الخبر، كان بعضهم يحمل شيئا من الحليب اللبن مما وفروه، لماذا جئتم به؟ قالوا لما سمعنا أن أمير المؤمنين قد ضرب بسيف مسموم، وأن اللبن الحليب نافع في أمره، ونحن إلى الوقت الذي كان أمير المؤمنين موجودا ما شعرنا بفقد آبائنا ويتمنا، لكن هذه الليلتين بدأنا نشعر باليتم الحقيقي، فردهم الإمام الحسن عليه السلام، عهد إلى الناس أن يتفرقوا، وأن أمر الأمير المؤمنين سيخبرون به فيما بعد، فانصرف الناس. لكن (الأصبغ بن نباتة) ظل يطرق الباب على بيت أمير المؤمنين، فتح الإمام الحسن الباب، رأى الأصبغ وهو يبكي، قال له يا أصبغ ماذا تريد؟ ألم نتقدم إليك أن ترحل؟ أنت تصور نفسك يقولون
لك أن أمير المؤمنين داخل الدار، وبينك وبينه فقط الباب، وحال الإمام يسوء، تذهب إلى منزلك؟ هل تستقر؟ قال يا أصبغ أما تقدمنا إليك أن ترحل؟ قال: بلى، ولكن سيدي إن قدماي لا تطاوعني على الرحيل، لا أتستطيع الذهاب قبل أن أنظر إلى مولاي أمير المؤمنين، فأذن له. لما دخل الأصبغ ونظر إلى أمير المؤمنين، انفجر بالبكاء، ماذا رأيت يا أصبغ حتى انفجرت بالبكاء؟ قال نظرت إلى أمير المؤمنين قد عُصِّب بعصابة صفراء، فلا أدري العصابة أشد اصفرارا أم جبين الإمام من أثر ذلك السم. أعظم الله أجوركم، أخذ إمامنا يوصي أولاده بوصاياه، أوصيكما وجميع ولدي ومن بلغه كتابي هذا، بتقوى الله ربكم، قولا بالحق واعملا للأجر، وكونا للظالم خصما، وللمظلوم عونا، الله الله في كتاب ربكم، لا تتركوا العمل
به، الله الله في الصلاة، فإنها خير العمل وإنها عمود دينكم، الله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم، الله الله في جيرانكم، مازال نبينا يوصينا بهم حتى ظننا أنه سيورثهم، الله الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ألا تتركوا العمل به فإنكم إن تركتموه لم تُناظروا، ثم قال يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون في دماء المسلمين تقولون قُتل علي بن أبي طالب، ألا لا تمثلوا بالرجل، فإن رسول الله يقول: (إياكم والمثلثة ولو بالكلب العقور). عظم الله أجوركم، أدار عينه في أهله وبنيه، وعندها عرق جبين الإمام، التفتت إليه ابنته زينب: أبه، مالي أرى جبينك يتفصد عرقا؟ قال لها: بنية إن المؤمن إذا حضره الموت تفصد عرقا، وعندها سكن أنينه، مد يديه ورجليه، أستودعكم الله، والله خليفتي عليكم،
وفاضت روحه الطاهرة، ضج أهل بيته والكل ينادي وا أبتاه. وكأني بزينب تقول: العيد مجبل والحزن زايد عليّه ... وعاينت دار المرتضى منّه خليّه فقد الأبو نغّص علينا ابالسّنه العيد ... وامن الصّبح باجر عليّه احزاني اتزيد نبجي ونلطم والبجا واللطم مَيفيد ... نشبت مخالبها ابحشاشتنا المنيّه محلى الأبو في العيد لو جمّع أولاده ... ولبّسم الزينة على جاري العادة ورفرف عليهم بالهنا طير السعادة ... ايطيب القلب واتصير عيشتهم هنيّه نسألك اللهم وندعوك باسمك الأعظم، الأعز الأجل الأكرم، يا الله، بنبيك المصطفى رسول الله، بوصيك المرتضى ولي الله، وبآل بيت آل الله، فرج عنا يا الله، اغفر لنا ذنوبنا، كفر عنا سيئاتنا، آمنا في أوطاننا، لا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، ولا تفرق بيننا وبين محمد وآله