أصحاب المجموعات الحديثية أحيانا هو في صدد الجمع ليس في صدد ذكر آرائه, وهذا سنذكره عندما نتحدث عن كتاب "البحار" للعلامة المجلسي. الأمر هو أن الكليني وهو محدّث وصل إليه أربع مئة أصل هي الأصول الأربع مئة، روايات كثيرة. والآن دوره أن يحفظها، ولا نقصد أن يحفظ ما يوافق رأيه، فينقل ما وافقت رأيه وما خالفته، ثم لاحقا يأتي من يحققها وينتبه لوجوه الإشكال فيها. إذا فرضنا أن هذه الرواية على كل تقدير خطأ، يمون هذا واحد المشتبهين فنحن لا ندعي معصومية الكليني والمجلسي, ولا ندعي معصومية الكتاب كما يدعي غيرنا معصومية بعض الكتب وصحتها بالكامل. فتصبح هذه إحدى الرواية إن لم يكن لها توجيه معين من الروايات الضعيفة التي لا ينبغي العمل بها.
وقد أوجز القول شيخ الطائفة الطوسي -رضوان الله تعالى عليه- وهو من طبقة تلامذة تلامذة الكليني. الشيخ المفيد يُحسب من ضمن أساتذة شيخ الطائفة وأساتذة أساتذته لأن الشيخ المفيد مدرس للشريف المرتضى, والشريف المرتضى أستاذ للشيخ الطوسي والكليني في رتبة أساتيذ المفيد.
شيخ الطائفة الطوسي الذي يصبح بحسب تعبيرنا حفيد علمي للكليني، عندما جاء يكتب في كتابه التبيان في تفسير القرآن، يقول: "رويت روايات من جهة العامة والخاصة (ويقصد بالعامة من خارج المدرسة الإمامية) بنقصان كثير من آيات القرآن الكريم، ونقل شي منه من موضع إلى موضع طريق هذه الروايات. طريق هذه الروايات من مصادر المدرسة الأخرى ومن مصادر الشيعة طريقها الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا، والأولى الإعراض عنها وترك التشاغل بها"
فهذا أيضا مما يمكن الإجابة به على من يزعم أن الشيخ الكليني لأنه أورد بعض الروايات التي ظاهرها وجود زيادة أو نقص في هذا الكتاب فيعني هذا أنه قائل بالتحريف.
لعلك تسأل.. لماذا الشيخ الكليني وضعها ؟
الجواب: كلٌ له منهجه الخاص في الكتابة، فأنت ربما لا تكتب شيئا إلا ما كان ممثلا لرأيك، وغيرك لربما لا يكون هذا منهجه لا سيما إن كان في صدد جمع الروايات وحفظ الروايات. فأنت تريد أن تفرض منهجك الخاص على شخص ضمن ظروف معينة وعلم معين وأجواء معينة وعاش قبل ألف سنة من الزمان. أنا وأنت لربما نعيش في زمان يكون هناك من هو متصيد علينا وواضع علينا الضغوطات، فنقول أنه أحسن لنا ألا نضع هذه الروايات، في حين أن ليس بالضرورة يعيش هذا الظرف. بل هو كان يعيش ظرف أنه يجب على الأصول هذه الروايات لابد ألا تضيع إلا ما علم أنها موضوع، وهو لربما لم يكن عنده هذا الرأي.
إضافة إلى ذلك يقول الشيخ الطوسي وردت روايات كثيرة في مصادر العامة والخاصة (السنة والشيعة). فهي كانت موجودة فليس بدعا أنه لو جاءت في هذا المقام.
وإشكال آخر يشكل به هؤلاء، وهو من الإشكالات العجيبة الغريبة. بعضهم قال: في الكافي لا توجد روايات عن رسول الله إلا أربعين رواية وعن علي ابن أبي طالب حوالي خمسين رواية، وعن فاطمة الزهراء حوالي ثلاثين رواية، فكيف تقول أن هذا كتاب شيعي وهو لا يوجد فيه هذه الروايات؟
الشخص الذي يوجه هذا الإشكال هو أحد أمرين، إما أنه لا يفهم أم أنه يتجاهل.
أولا: ما ذكره المعصومون عليهم السلام من روايات تشير إلى أن "حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي وحديث جدي حديث رسول الله وإنما هي أصول علم نتوارثها عن جدنا رسول الله -صلى الله عليه وآله-" وأنه عندما سأل أحدهم الإمام عليه السلام أنه "أنتم تقولون قال رسول الله، وغيركم يقول قال رسول الله، فما الفرق الذي ألزم علينا اتباعكم؟" فقال له : "إن رسول الله أنال وأنال وأنال، وعندنا أصول العلم".