كل هذه الأمور انتكست عندما اقتحم طغرل بك السلجوقي بغداد في نحو سنة أربعمائة وسبعة وأربعين وقد كان السلاجقة جماعة عسكريون منهجًا ومتعصبون مذهبيًا وأسقطوا البويهيين وبدأوا من اليوم الأول في إقصاء سائر المذاهب وبعنف ، فأحرق كرسي الكلام الذي كان يدرس فيه شيخ الطائفة وأحرقت مكتبة سابور التي كانت كما كان يقول عنها الحموي وغيره ( مفخرة الدنيا ) وبعضهم قال أنه كان فيها نحو ثمانين ألف كتاب من أيام الشريف المرتضى والذي اشتغل عليها وجمع لها من الكتب ما شاء الله فأحرقت هذه المكتبة وهوجم بيت شيخ الطائفة الطوسي وأراد بعض الغوغاء والمتعصبين قتله فانسحب إلى الكوفة إلى النجف الأشرف وهناك بجوار أمير المؤمنين عليه السلام بدأ في التدريس وبدأت الحوزة العلمية بشكلها الحقيقي في النجف الأشرف مع مجيء شيخ الطائفة الطوسي . ولم يبق في النجف سوى اثنتي عشرة سنة يعني من حدود سنة أربعمائة وثمانية وأربعين إلى سنة أربعمائة وستين . وتوفي في النجف الأشرف لكنه خلف هذا الأثر الخالد ( تهذيب الأحكام ) وفي كتاب التهذيب يوجد نحو من ثلاثة عشر ألف وخمسمائة وتسعين حديثًا في الفقه . وبالطبع حين يكون عند الفقيه هذه الثروة العظيمة ( وشتان بين شخص كل ما عنده ثلاثة آلاف حديث فقط وهذه كل حصيلته عن النبي منها في الفقه ومنها في غير الفقه هذا مساحة الحركة عنده مساحة ضيقة في السنة لذلك يستعير مناهج القياس والاستحسان والاجتهادات الشخصية وغيرها أما من لديه ثلاثة عشر ألف حديث وأكثر فمساحة الحركة عنده في أطار السنة والحديث والنصوص مساحة واسعة جدًا وهذا مما جمعه شيخ الطائفة رضوان الله عليه .
فيما بعد ألف كتاب الاستبصار ويوجد بعض الروايات ظاهرها متعارض فرواية تقول شيء ورواية تقول شيء آخر فكيف نجمع بيننا مع اعتقادنا بأن أئمة الهدى لا يمكن أن يقولوا شيئً متعارضا ومتهافتًا . فإذا فرضنا أن الرواية غير صحيحة انتهى الأمر ، وإذا فرضنا أن الرواية صحيحة بحسب الموازين فكيف نجمع بين هاتين الروايتين ؟ هذا يسمى في الدروس الحوزوية بعلاج التعارض بين الأحاديث وهو مبحثٌ مهمٌ جدًا وإلى اليوم العلماء يدرسونه ويدرسون فيه . فألف شيخ الطائفة هذا الكتاب الذي يقول فيه إذا تعارض الحديث الفلاني مع الحديث الفلاني فالوجه أن نحمل الأول على كذا والثاني على كذا فيفك التعارض بينهما . ويحتاج أيضًا إلى شاهد على ذلك ، فمن أين أتيت بهذا الكلام ؟ ومن أين تجمع بهذه الطريقة؟ فيحتاج أن يأتي بدليل .
فهذان كتابان ألفهما الشيخ الطوسي رضوان الله عليه وبهما يكتمل عقد الكتب الأربعة : الكافي للكليني ، من لايحضره الفقيه للصدوق ، والتهذيب والاستبصار لشيخ الطائفة الطوسي رضوان الله تعالى عليهم .
هل تعرف ما هي قيمة هذا العمل ؟
قيمته هو ما ذكرناه أول الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام : ( لحديثٌ في حلالٍ وحرام تصيبه من صادقٍ خيرٌ لك من الدنيا وما فيها )
هذه قيمة الحديث الصادق الذي يعلمك أحكام الدين .
ومثال على ذلك لو أنني ما عرفت هذا الحديث وما قلدت من يعرف هذا الحديث وعملت على هوى نفسي أو حسب ما أدى إليه نظري وتبين أن الأمر الفلاني حرام وأنا كنت أمارس ذلك الحرام وآكل هذا الشيء المحرم ، ولم أذهب لسؤال المختص في الحديث والمجتهد الفقيه فيه وعملت على هوى نفسي ، فيوم القيامة أُسأل : لماذا أكلت الشيء الفلاني وهو حرام ؟ حين أجيب بلا أعلم هل يقبلون مني هذا العذر ؟ كلا ، فالرواية تقول : هلا تعلمت حتى تعلم ؟ فالله أعطاك عين تنظر بها وأذن تسمع بها وعقل يوجهك إلى أن الإنسان غير المتخصص يجب أن يسأل المتخصص ، وغير العالم يسأل العالم . فماذا يعني أن هذا العقل وهذه الذاكرة وهذا الحفظ ما تركت لاعب إلا وحفظت اسمه إلى سابع جد ولا حدث سياسي إلا وعرفت تفاصيله وتحليلاته ولا موضوع اجتماعي إلا وتفهمته .... ! حين تصل إلى الموضوع الشرعي والذي هو أهم بالنسبة لك كيف لم تعلمه ؟ فأنت غير مسؤول عن معرفة الحدث السياسي يوم بيوم وساعة بساعة بحيث لو ما عرفته لن يحاسبك أحد يوم القيامة على عدم معرفة هذا الحدث السياسي لكنك تسأل لماذا لم تعرف أحكام دينك ، ولماذا لم تصل بالشكل الصحيح ، ولماذا لم تغتسل بالشكل الصحيح ؟ وهذا كله مربوط بالحديث الذي يرويه الراوي عن المعصوم والفقيه يستنبط منه . فليس عذرًا أن يقول الإنسان أن ما عرفت . أنت مسؤولٌ أن تعلم أمور دينك . لذلك يكون الحديث الواحد في الحلال والحرام الذي يأخذه الإنسان عن صادقٍ خيرٌ من الدنيا وما فيها . وبهذه الأعمال التي قاموا بها رضوان الله عليهم حفظوا الوحي الإلهي في تفاصيله والسنة النبوية في تفاصيلها والسنة المعصومية في تفاصيلها وأوصلوها إلينا وإلا لو لم يكن هذا الأمر قد فعلوه فكيف نتحدث الآن عن الأصول الأربعمائة والتي تحدثنا عنها سابقًا . أين هي ؟ غير موجودة . لماذا ؟ لأنه لم يتوفر لها من يحفظها بتمامها وكمالها لولا أن هؤلاء العلماء نقلوها فيكتبهم هذه لضاعت أحاديث آل محمد صلوات الله عليهم .