شعبان: شهر النبي والشفاعة ٦
كتابة الأخت الفاضلة أم سيد رضا
في الصلوات المحمدية المستحبة استحباباً مؤكداً في شهر شعبان، آخر فقرة منها: (اللهم صل على محمد وآل محمد واعمر قلبي بطاعتك، ولا تخزني بمعصيتك، وارزقني مواساة من قتَّرت عليه من رزقك بما وسَّعت علي من فضلك ونشرت عليَّ من عدلك وأحييتني تحت ظلك، وهذا شهر نبيك سيد رسلك شعبان الذي حففته منك بالرحمة والرضوان، الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله يدأب لك في صيامه وقيامه في لياليه وأيامه بخوعاً لك في إكرامه وإعظامه إلى محل حمامه، اللهم فأعنَّا على الإستنان بسنته فيه ونيل الشفاعة لديه، اللهم واجعله لي شفيعاً مشفعاً وطريقاً لك مهيعاً واجعلني له متبعاً حتى ألقاك يوم القيامة عني راضيا وعن ذنوبي غاضياً، قد أوجبت لي منك الرحمة والرضوان وأنزلتني دار القرار ومحل الأخيار).
نحن في نهاية هذا الشهر الكريم أذكر الأخوة والأخوات وهم وهنَّ ذاكرون وذاكرات ولله الحمد بالإهتمام بما بقي من أيام هذا الشهر، وهي وصية الإمام الرضا عليه السلام لأبي السلط الهروي حيث دخل عليه ربما في مثل هذا اليوم يوم الجمعة وبدأ الإمام يذكره بلزوم الإهتمام بما بقي من هذا الشهر بالصيام وأداء الحقوق والتوجه إلى عبادة الله عز وجل حتى تنتهي هذه الفرصة الإستثنائية ويكون قد أفلس منها.
ففي هذه الفترة أيضاً ومع الإستخدام الحسن لبعض وسائل التواصل الاجتماعي يصعب على الإنسان أن يكون غافلاً، ففي الغالب يأتي في كل يوم أو بين يوم وآخر تذكير بالمستحبات وبعض الآثار والثواب والأجر المترتب عليها، وهذا شيء حسن لأنه قلل من موضوع الغفلة، لكن في بعض الأحيان قد تعيق الشخص ظروفه الخاصة أو العامة فتبقى له فرصة وهي تلك الفرصة التي تكون آخر الشهر، ولعل من أهم ما يُذكر هي الأيام الثلاثة الأخيرة من شهر شعبان، فقد ورد أن صيامها ووصل صيامها بصيام شهر رمضان وكأنه صوم شهرين متتابعين وهو كفارة عن الذنوب، نسأل الله أن يوفقنا ويوفق المؤمنين جميعاً إلى ذلك وإلى سائر العبادات.
في آخر فقرات الصلوات المحمدية كما أشرنا إلى ذلك في وقت مضى تبدأ بعد ذكر الصلاة بطلب الحاجة، فكل الفقرات الأولى كانت حاجة الإنسان فيها هي نفس الصلاة على محمد وآل محمد مع ذكرهم والثناء عليهم بما يناسب شأنهم وما ورد من الأحاديث المعتبرة في حقهم (شجرة النبوة، موضع الرسالة، مختلف الملائكة، معدن العلم، أهل بيت الوحي، الفلك الجارية في اللجج الغامرة، الكهف الحصين وغياث المضطر المستكين) وقد مرَّ علينا شيء من الشرح المختصر لها، والآن من بعد هذه الفقرة يبدأ الإنسان بطلب الدعاء فيقول: (اللهم صل على محمد وآل محمد واعمر قلبي بطاعتك) فهذا أول طلب يطلبه الإنسان من الله عز وجل وقد قلنا بإستجابة الدعاء هو أن يُسبق بالصلاة على النبي وآله.
اعمر قلبي بطاعتك: عمران الشيء يعني أن يكون ذلك غير مهجور، كأن يقول هذا مسجد معمور وذاك مسجد مهجور، ومعنى معمور أي فيه حياة وحركة وتواجد، ومنه جاء قول الله عز وجل: ((إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر))، مع أن العمران قد يكون عمران مادي خارجي ولكن المقصود هنا هو العمران الحقيقي بالتردد على المسجد والصلاة فيه وقراءة القرآن والتواجد، فإعمار القلب بالطاعة يكون هكذا، وكأنما هذا القلب عبارة عن وعاء وهذا الوعاء قد يكون فارغاً أو يكون مملوءاً بسائل متسخ أو يكون مملوءاً بسائل نظيف رقراق، فقد يكون هذا القلب والعياذ بالله معموراً باللهو والهذر والأغاني والأمنيات الفاسدة والأفكار التافهة، أو قد يكون فارغاً ليس به شيء وهذا نادر، وقد يكون معموراً بطاعة الله عز وجل من العلم الإلهي والخوف من الله والرغبة فيما عند الله عز وجل، فقد ورد في بعض الروايات: (أن القلب حرم الله)، أي منطقة حرمة الله فلا ينبغي أن يدخل فيه شيء يتناقض مع حرمة الله عز وجل كالحقد والحسد والضغينة والتآمر على الغير وتمني المنكر وأمثال ذلك فضلاً عن سائر الذنوب، فهذه كلها تتنافى مع حرمة هذا المكان الذي جُعِل في الأحاديث أنه حرم الله عز وجل، فنحن مطلوب منا أن نسأل الله: (اللهم صل على محمد وآل محمد واعمر قلبي بطاعتك ولا تخزني بمعصيتك) وفي نصوص أخرى: (ولا تشقني بمعصيتك)، فبالفعل عندما يفكر الإنسان بالأمر سيجد أن معصية الله خزاية وشقاوة يزينها الشيطان له كالسرقة، إحراج الآخرين، النظر المحرم والعلاقات الغير مشروعة وأمثال ذلك، ولكن في الواقع لو رفع هذا الغلاف نجد الشقاء والخزي والعذاب والعقاب والتعاسة، لذلك نحن نسأل الله أن لا يشقينا ولا يخزنا بمعصيته.