الواجب الثاني من الواجبات المطلوبة على المسلمين تجاه سنة رسول الله (ص): نشر هذه السنة، نشر أحاديث رسول الله (ص)، تبليغها لمن يجهلها، وهذا تكليف، قد أشار إليه رسول الله (ص) كثيرا في خطبه. بعد ما يخلص الخطبة النبي (ص) يقول: "ألا فليبلغ الشاهد الغائب". انتوا سمعتوا، أنتم شهدتهم، فليبلغ من كان شاهدا وحاضرا وسامعا حديث رسول الله (ص)، فليبلغ الغائب، "فرب حامل علم إلى من هو أعلم منه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه". هذه من مسؤوليات المسلمين: تبليغ سنة النبي وأحاديثه وما كان يقوله إلى الناس جميعا، سواء إلى أهل الإنسان، أو إلى غيرهم. لا سيما في تلك الأزمنة، في تلك الأزمنة اللي يحضر إلى المسجد ١٠% من المسلمين، يجب على هؤلاء أن يبلغوها إلى أهاليهم وأرحامهم ومن لم يكن حاضرا. وهكذا الحال في هذه الأزمنة أيضا: الحاجة قائمة إلى أن يتم تبليغ سنة النبي محمد (ص).
الواجب الثالث، هو: حفظ سنة النبي من الضياع والاندثار. الحفظ له أشمال مختلفة. ما دام لم يتكفل من الناحية الإلهية بحفظها، كما في القرآن، القرآن تكفل الله بحفظه: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، بأشكال الحفظ المختلفة، والتفاسير المتعددة في هذه الكلمة. لكن بالنسبة إلى سنة النبي، حتى هذا المقدار ما موجود، أن الله يتكفل بحفظها، فكان على المسلمين، أن يقوموا بحفظ هذه السنة في كل جيل وعصر بطرق الحفظ المعتبرة في ذلك الزمان.
في زمان رسول الله (ص) كان الحفظ غالبا بوسيلتين، الوسيلة الأولى: أن يحفظ في الصدور، وكان الناس غالبا عندهم قدرات من الحفظ كبيرة. والطريق الثاني: هو الكتابة والتدوين بالوسائل التي كانت موجودة في ذلك الزمان. يطور الزمان، يصير مثل أزمنتنا الآن، يحفظ عبر الذاكرة الإلكترونية، وعبر القرص الصلب، وعبر الفيديو، وعبر الكاميرات، وغير ذلك، وغيرها مما يحفظ به العلم، لكن كل زمان، كل عصر، يجب على اهل ذلك العصر، أن يحفظوا سنة رسول الله بحسب ما يستطيعون، ليش لازم هذا يسوونه؟
أولا: هذا مقتضى حكم العقل في أن لا يضيع العلم. حكم العقل: يرى أن حفظ العلم أمر حسن، وأن تضييع العلم أمر قبيح. حتى العلم العادي: الرياضيات، الهندسة، الطب، الجغرافيا، الفلك، العقل يحكم بأن حفظ هذه المعلومات من جيل إلى جيل آخر، هذا أمر حسن. لأنه لو فرضنا أن كل جيل تعلم ولم يحفظ العلم ومضى، ومضى العلم، لظلت البشرية لا تزال في زمانها الأول، كيف تصير حضارة، كيف يصير تقدم، كيف يصير عمران، لأن الجيل التالي يبني على ما تأسس في الجيل الذي سبقه، والجيل اللي بعده يؤسس على ما أسس الجيل الذي سبقه، وهكذا يتصاعد العلم وتحصل الحضارة.
زين، هذا إذا كان في العلوم العادية والطبيعية والبشرية، بحكم العقل لا بد من حفظها، أفترى أن العلم الإلهي والديني، الذي يعنونه النبي، يقول: "ما من شيء يقربكم من الجنة إلا وأمرتكم به، وما من شيء يقربكم إلى النار إلا ونهيتكم عنه"، طيب، فإذًا طريق الجنة وضحته إليكم، طريق النار أغلقته أمامكم. طيب، هذا الأمر اللي فيه مصير البشرية النهائي ألا يستحق الحفظ والتدوين من جيل إلى جيل، لا ريب في ذلك. هذا ما يحتاج أن النبي (ص) يقول: اكتبوا، دونوا، احفظوا، نفس حكم العقل يقول: أن هذا الفعل حسن، وأن ترك ذلك وتضييع العلم الديني الإلهي المتمثل في سنة رسول الله (ص)، يرى هذا شيئا قبيحا وعبثا ممجوجا، ويعاتب عليه من يفعله.
أضف إلى ذلك، غير أن حكم العقل يرى أن هذا عمل حسن: الحفظ، والتضييع عمل قبيح. العقلاء أيضا يرون هذا الفعل، أي عاقل يرى أن حفظ العلم من الأمور المحمودة وتضيع العلم يراها من الأمور القبيحة، مو فقط العقل، حتى العقلاء. فوق هذا وذاك، نبينا المصطفى (ص) أمر بالتدوين وأمر بالكتابة وفعل ذلك بالنسبة إلى من طلبه منه. هذا ينقلون، نحن ننقل شذرات، وإلا فالوقت لا يتسع لنقل كل شيء.