خرج أمير المؤمنين عليه السلام ليلحق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: (يا رسول الله، إن قوماً يقولون إنك إنما خلفتني لأنك لا تحب رفقتي، فقال له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) وهذا يسمى بحديث المنزلة وهو من الأحاديث المهمة جداً في مجال الاحتجاج العقائدي.
هنا في هذه الرواية التي نقلناها عن الشيخ الصدوق في كتابه الأمالي يأتي الحديث بشكل مفصل وواضح، (قال رسول الله صلى الله علي وآله وسلم: يا علي أنت مني بمنزلة هبة الله من آدم وبمنزلة سام من نوح) والمقصود بهبة الله هو النبي من بعد آدم عليهم السلام، فإنه لما قتل قابيل هابيل وكان هابيل هو المعد للنبوة وكان قرة العين بالنسبة لوالده، حزن عليه والده حزناً شديداً حتى عدَّ من البكائين الخمسة في تاريخ البشر، فالله سبحانه وتعالى بعد مدة من الزمان وهب له شيثاً وقال هذه هبة من الله إليك أي أنه يقوم مقام هابيل ولذلك سمي هبة الله وقد اختاره الله للنبوة وأصبح النبي من بعد أبيه آدم، تواصلت مسيرة النبوة والهداية في هذه الأسرة.
فمعنى قول الرسول لعلي عليه السلام بأنه بمنزلة هبة الله من آدم أي أنه خليفته ووارث علمه والقائم بأمره، لكن الفرق في أن شيثاً نبي ولذلك كان استثناء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الأخير في قوله: إلا أنه لا نبي بعدي.
وفي إكمال الحديث: (وبمنزلة إسحاق من إبراهيم) وإسحاق هو والد نبي الله يعقوب الذي استمرت فيه النبوة والوصايا والخلافة والهداية بعد أبيه، (وبمنزلة هارون من موسى وبمنزلة شمعون من عيسى) وشمعون هو الوارث للرسالة والخلافة والقائم بالأمر.
نجد هذا الحديث ليس متواتراً بهذه التفاصيل، ولكن حديث المنزلة لكثرة أسانيده وهي أسانيد صحيحة بالرغم من أن في بعض الصحاح لم يذكروها لأسباب لا تخفى على المتأمل، لكن أبي عبد الله النيشابوري صاحب المستدرك على الصحيحين قال: هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، أي أنه بحسب مقاييس البخاري ومسلم فإن هذا الحديث صحيح ولكن هناك نوع من التجاهل الصريخ والتغافل الواضح الذي يحتاج إلى بيان وإدراك.
على كل حال فإن هذا الحديث لا يتمتع بما يتمتع به حديث: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) أي من كثرة الطرق وتظافرها، وهناك رواية ينقلها ابن كثير الدمشقي عن سعد بن أبي وقاص، وابن كثير هو ضمن الخط الأموي في كتاباته أي أنه يغذي الإتجاه الأموي تاريخياً ومعاصراً، ففي كتابه البداية والنهاية يقول: بأن معاوية بن أبي سفيان جاء إلى المدينة ورأى سعد بن أبي وقاص فسأله معاتباً عن سبب عد قتاله معهم، فقال له سعد بن أبي وقاص: بأني رأيت ريح مظلمة ولم أعرف الهدى فيها فأنخت بعيري وقلت: نخ نخ، فقال له معاوية: ليس في كتاب الله عز وجل نخ نخ وإنما في كتاب الله ((وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت احداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي))، فقال سعد: ماكنت لأقاتل رجلاً قال له رسول الله أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، فقال له معاوية: من سمع هذا معك؟ فقال له: فلان وفلان وأم سلمة، فأمره معاوية بأن يذهب لأم سلمة فشهدت أم سلمة بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، ثم قال معاوية لسعد: أما أني لو سمعته منك لما قاتلت علياً، وبالطبع فهو كاذب في ذلك لأنه يعرف عن علي كما يعرف سعد وإن لم يكن أكثر، لكن الشاهد هنا قرره بأن هذا الحديث هو حديث تام وصحيح وكان ينبغي أن يخرج مع علي بن أبي طالب عليه السلام.