سلسلة الامثال الخاطئة
١٠/ عندك فلس تسوى فلس
كتابة الفاضلة ليلى الشافعي
من الأمثال الخاطئة والتي يترتب عليها فهمٌ خاطئُ وسلوك حياتيٌ خاطئ المثل المعروف : ( عندك فلس تسوى فلس ) ومقتضى ذلك أنه إذا ما عندك فإنك لا تسوى شيئًا . بالطبع قسمًا من الناس يقول أنا لا أؤمن بهذه الفكرة ولكن الناس يعتقدون هكذا فلا يوقرون من لم يكن مالكًا للأموال ولا يحترمونه إلا بمقدار ما يمتلك من مال .
ونحن نعتقد أن هذه الفكرة ليست صحيحةً على نحو الإطلاق ، فبعض الناس في فئات معينة تعتبر قيمة الشخص بما يمتلك من الأموال ولكن ليس كل المجتمع هكذا بل عكس ذلك فأكثر الناس في المجتمع لا يحترمون الشخص لمجرد أمواله كما سيتبين بعد قليل .
هذا المثل انطلق من مظاهر معينة وصيغ هذه الصياغة يعني مثلًا إنسان يذهب إلى مكان معين كدائرة رسمية أو بعض الأوساط الاجتماعية فيرى في تلك الدائرة أنه إذا دخل أحدهم وعليه مظاهر الثراء فإنه تقضى حوائجه ، وإذا أتى آخر ليس عليه هذه المظاهر تتأخر قضاياه .
ويرى في بعض المجتمعات إذا جاء شخصٌ معروفٌ بأنه من أصحاب الأموال فإنه يحترم ويقدم ويقدر بينما هو نفسه الذي يلاحظ هذا وهو ليس من أصحاب الثروات والأموال لا يحصل على نفس التقدير . فمثل هذا ينتج مثالًا من هذا القبيل أنه عندك فلس تسوى فلس ، عندك مليون تسوى مليون .
أولًا : نحن نعتقد أنه أصل المثال غير صحيح .
ثانياً : تطبيقه على المجتمعات أيضًا غير صحيح .
أما بالنسبة لأصل المثال أنه غير صحيح فذلك لأنه لا المجتمعات الدينية ولا غير الدينية تقيم الأشخاص حسب ثرواتها .
أما في المجتمعات الدينية كالمجتمع المسلم فإنه في الإسلام لم يكن المال ميزة تفاضلٍ أبدًا إلا إذا جعل هذا المال في سبيل الخير وهذا بحث آخر فميزة التفاضل يعني نفس الشيء بما هو يجعل الإنسان صاحب فضلٍ كالعلم مثلًا ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) فنفس العلم هو يرفع الإنسان ونفس الإيمان ونفس العمل الصالح فبمجرد أن صار الإنسان مؤمنًا يرفعه الله وبمجرد أن صار ذا تقوى يرفعه الله ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) وهذا غير موجود في المال ، فغير موجود في الإسلام أنه إن أكرمكم عند الله أكثركم أموالًا أو أنه صاحب الأموال أفضل من غيره .
نعم صاحب المال الذي يجعل ماله في الإيمان وفي العلم وفي العمل الصالح وفي سبيل الخير يرتقي بنفس ذلك المقدار وليس لأن عنده مال إنما لأنه جعل ماله في سبيل الخير فهناك فرق في الإيمان وفي العلم وفي العمل الصالح وفي سبيل الخير يرتقي بنفس ذلك المقدار ليس لأن عنده مال إنما لأنه جعل ذلك المال في سبيل الخير .
فمرة يقول أحدهم لأن جيبي امتلأ أصبحت ذا قيمة ، ومرة يقول لما امتلأ جيبي وجهته في سبيل الخير هنا أصبحت ذا قيمة ، أما إذا لم يوجهه في سبيل الخير فليس له قيمة فضلًا عما إذا وجهته في سبيل الشر بل في مقالٍ يفصل فيه أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته المعروفة لكميل بن زياد النخعي : ( يا كميل هلك خزان الأموال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة ) .
فمثلًا شيخ الطائفة الطوسي متوفى سنة ٤٦٠ هـ قبل ألف سنة من الزمان فهو قد اندثر وصار ترابًا بحسب الظاهر ولكن أمثاله وأفكاره وعلومه وطريقة حياته لا تزال موجودة وتؤثر في كثير من البشر، بالمقابل هل نتذكر شخصًا من ألف سنة كان صاحب مال ؟ فكما قلت وأكرر حين يكون صاحب مال ويعمل فيه الخير هذا يكون من ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) ويكون من ( ويرفع الله الذين آمنوا ) لكن إذا مجرد أنه كان يمتلك المال فإنه ينتهي ذكره بموته ، بل يقول أمير المؤمنين أنه يموت قبل موته وينتهي . فالإنسان الحي يعرف بأثره أما ذاك الذي تتضخم أمواله في البنوك وهو لا يصنع خيرًا ولا يسخر هذا المال في سبيل الخير فليس له أثر والذي ليس له أثر شبيه بالموتى ‘ بخلاف ذلك الميت حقيقةً والذي توفي قبل ألف عام لكن أثره موجود وفاعليته موجودة والاقتداء به مستمر فهذا حي حتى لو مر عليه عشرة آلاف سنة فأولًا في المجتمعات الدينية لا تعتبر كثرة المال ووجدان المال والسيطرة والاستحواذ على الأموال بذاتها لا تعتبر ذات قيمة .