بل حتى في المجتمعات غير الدينية فهل تتصور أن أصحاب المال هم المقدمون ؟ كلا
وهذا بمقدار ما هو موجود في البلاد الغربية فهو للأسف في بعض بلادنا المسلمة غير موجود . فأصحاب الثروات الكبرى في العالم غالبًا يعرفون بمشاريعهم الاجتماعية حتى أن بعضهم أوصى بكل ثروته بعد مماته في جهات خدمة العلم ومشاريع الخير حسب اعتقاداته وبعضهم أسس مؤسسات أيام حياته لصرف أمواله لخدمة مجتمعه ، وهو غير موجود في بعض مجتمعاتنا . نعم يوجد أصحاب أموال وتجار كبار عرفوا قيمة أنفسهم وقيمة ثرواتهم فسخروها في سبيل الخير ، ونحن نجد الآن الكثير من هذه المؤسسات الدينية كالمساجد والحسينيات والمعاهد والمراكز وطلاب العلوم الدينية والمستشفيات وقضايا صحية وقضايا تعليمية وكفالة أيتام وغيرها من جهات الخير نجد قسم من أصحاب الأموال عرفوا كيف يستثمرونها . فهذا يقدر لا لأنه صاحب مال وإنما لأنه سخر ما يملك من المال في هذه الخدمات . أما التقدير لصاحب المال لمجرد أنه يمتلك مالًا عبر عنه بعض الغافلين كما في قضية قارون : ( قال الذين يريدون الحياة الدنيا ياليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظٍ عظيم ) ( وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحًا ولا يلقاها إلا الصابرون )
في بعض المجتمعات ضمن دوائر معينة وفي حين غفلة الذين يريدون الحياة الدنيا يتصورون أنه إذا امتلك الإنسان الأموال يصبح مقدرًا ، هذه غفلة وجهل فعلينا ألا نغتر بزيد وعمرو الذين لا يعلمون .
فهل الأنبياء في كل التاريخ يقدرون أو لا ؟ كل البشر يقدرون إبراهيم ونوح وموسى وعيسى وسيد الأنبياء محمد . هل كانوا يقدرونهم لأن عندهم ثروات طائلة ؟ كلا
بل على العكس الطواغيت والفراعنة الذين عاصروا الأنبياء هم أصحاب الأموال لكن الآن لا أحد يذكرهم ، فلو كان إذا عندك فلس تسوى فلس لكان الأنبياء والأوصياء في طول التاريخ غير مقدرين من أحد . فأنت الآن تذكر أهل البيت عليهم السلام ، وتذكر أصحاب النبي الذين جاهدوا وبذلوا وأعطوا من أنفسهم كان القسم الأكبر منهم لا يملك الأموال كأبي ذر الغفاري والمقداد بن الأسود الكندي الذي خرج ذات يوم وقت الظهيرة وصادف الإمام علي عليه السلام وسأله أمير المؤمنين عما أخرجه في هذا الوقت ؟ والمقداد سأل الإمام نفس السؤال وعاود عليه الإمام السؤال وحين امتنع عن الإجابة قال له الإمام لا بد فأجابه لم يوجد في البيت شيءٌ يؤكل فخرجت لأدبر أمري ( هذا الذي لايملك غذاء له ولأهله يقول عنه النبي :المقداد زبر الحديد ويقول أيضًا : إن الجنة لتشتاق إلى أربعة أحدهم المقداد )
فقال له الإمام الذي أخرجك هو الذي أخرجني لأن الإمام ذهب إلى بيته فلم يجد شيئًا ، ففي رواية أنه اقترض من يهودي وفي رواية أخرى أنه اشتغل عنده عدة ساعات وحصل منه دينار وهذا قبل خيبر وفدك في الفترة الأولى من الهجرة . فأعطى الإمام الدينار للمقداد وحين سأله وأنت ماذا ستفعل قال خذه ولا عليك . ورجع إلى المسجد فإذا بالنبي يقول له : يا علي غذاءنا اليوم عندك . فقال له الإمام تفضل ، فجاء مع رسول الله صلى الله عليه وآله وكانت فاطمة تتعبد وحين دخل عليها الإمام ومعه رسول الله شما رائحة عراق اللحم . فلما فرغت فاطمة جاءها الإمام عليه السلام وقال لها ألم تخبريني أنه لايوجد عندك شيء . قالت : والذي بعث أبي محمدًا بالنبوة ما عندنا شيء وهذا من عند الله عز وجل . هذا رزقٌ أتى به جبرئيل كما كان يأتي مريم ولا تقل فاطمة عن مريم بل تفوقها ( إن الله يرزق من يشاء بغير حساب )
فالشاهد أن المقداد الذي تشتاق له الجنة لا يملك ثمن غذاء في ذلك اليوم . أين هذا من (عندك فلس تسوى فلس )؟