إذاً أصبح لدينا قسمان: تجارب الشخص وهي تجارب مفيدة يتعلم منها، فكثير مما يملكه الإنسان من المعرفة والحكمة والخبرة هو ناتج من تجارب قد مرَّ بها، فعندما يريد أن يعمل نفس العمل سوف لن يقع في نفس الأخطاء التي وقع فيها في المرة الأولى، وهذا القسم من التجارب هي نافعة ومفيدة وتشير إليها في الغالب كلمات أمير المؤمنين عليه السلام.
القسم الثاني أيضاً التي تكون التجربة فيه نافعة هي التجربة العلمية التي تعتمد من قبل العلماء المعاصرين، فيتم التجربة على مدى واسع من الحيوانات والكائنات الحية الأخرى عندما بحسب استهدافها، فهذان قسمان من التجارب لا شك في نفعهما.
عندما نأتي إلى هذا المثال: (اسأل مجرب ولا تسأل طبيب)، نجد أن هذا الكلام إذ كان المقصود منه في الطب، الاقتصاد والهندسة، بل وأحياناً حتى فيما يرتبط بأمور دينية إذا كان بمعنى إلغاء خبرة الطبيب أو الاقتصادي أو المهندس أو عالم الدين فهذا كلام غير صحيح، لأنه عندما نأتي إلى أصل المثال كما أشرنا في أحاديث سابقة بأنه ليس نصاً ولا آية قرآنية ولا هو حديث عن المعصومين حتى يكب له قيمة دينية وإنما هو من صياغة الناس، ففيما يرتبط به نفسه نجد أنه كلام خاطئ لأنه لو افترضنا أنك رأيت زيد من الناس استعمل العشبة الفلاية أو الدواء الفلاني ونفعه فمن يقول أنها سوف تنفعك أنت، فجسمك ليس نسخة طبق الأصل من جسمه، فقد يكون عمره مختلفاً أو معادلات بدنه مختلفة كأن يكون لديه قوة في عضلة القلب أو قلة نسبة الدهون في بدنه على خلاف الطرف الآخر، فالشيء الذي ينفعه ربما نفعه لظرف معين أو لأن تركيبة بدنه مختلفة أو قد نفعه لفترة من الزمان.
فأحد الأصدقاء كان يتحدث عن والده بأنه إذا أصبحت لديه مشكلة في عينه كأن يأخذ أقرب قطرة له من القطرات الموجودة في صيدلة المنزل ويضعها في عينه، فإن كانت هذه القطرة حارّة على عينه فيقول بأنها جيدة وستشفيه، أما إذا كانت باردة وخفيفة على العن فإنه يقول بأنها غير نافعة، نتساءل هنا بأنه هل هذا الأمر له أصل من الناحية العلمية والعقلائية؟، فقد تكون هذه القطرة هي قطرة أنف أساساً ولا دخل لها في العين، أو قد تكون قطرة أذن لإذابة الشحم وشمع الأذن.
فلا يصح في هذه الحالة بأن نقول: (اسأل مجرب ولا تسأل طبيب)، لأنها قد تجر الإنسان إلى المشاكل وربما تسبب أضرار جدية فيعاتب الإنسان عليها، وللأسف فإن هذا الأمر شائع جداً وبالذات في الأمور الطبية والأمراض، قد يكون الإنسان صادق في ذلك ولكن هذا المقدار من التجربة لا يسوغ للإنسان أن يتخذ منه منهجاً، فهذا المثل لا ينبغي أن نبقه عل كل شيء فبعض التجارب لها حالة خاصة وظروف خاصة، فلو أن شخصاً افتتح له محل للخضروات ورأى أنه أصبح يكسب الكثير من الأموال فهذا لا يعني أن كل من فتح محلاً للخضروات سيكسب مثله، فربما هذا الشخص كان موقع محله في حي جديد لا يوجد فيه محلاً آخر يبيع الخضروات، أو أنه يحصو مبكراً كل صباح بينما الشخص الآخر لا يستطيع النهوض مبكراً، وغيرها من الأمور.
هذا النحو من التجارب الشخصية لا يصح بأن يجعله الإنسان بديلاً عن المعرفة العلمية، فلا بد من مشاورة أصحاب الخبرة في نفس التخصص، فإن أراد الإنسان أن يعمل في الأسهم مثلاً فلا بد من أن يشاور من لديه خبرة اقتصادية ومعرفة مالية بالسوق، فلو أخطأ حينها لن يكون حجم الخطأ عظيماً بل وحتى لو أخطأ خطأً عظيماً لن يُلام في هذه الحالة لأنه بطبيعة الإنسان أن يرجع لأهل الخبرة والتخصص، كما لو أخطأ الطبيب في حقك أيضاً فإنك لست ملاماً حينها.