سلسلة الأمثال الخاطئة ٦
خيرا تعمل .. شرا تلقى: مثل خاطئ المعنى
كتابة الفاضلة أمجاد عبد العال
حديثنا لا يزال في سلسلة الأمثال الخاطئة، التي على الرغم من خطأ مفاهيمها إلا أنها تؤثر بشكل أو بآخر، في ثقافة قسم من الناس، وفي سلوكهم. ولأن الأمثال – كما ذكرنا أكثر من مرة – هي أسرع انتشارا وانتقالا؛ لذلك يكون التأثر بها أيضا غير قليل. من هنا ينبغي أن نلفت النظر إلى هذه الأمثال، أو إلى بعضها. بالطبع يكون من العسير أن نستقصي كل الأمثال الموجودة في المجتمعات، ولكن إذا تتبعنا بعضها، آنئذ يصبح عند الإنسان قدرة نقدية، عندما يسمع كلاما لا يسلم به هكذا، وإنما يتوقف ويتأمل ويفكر: هل هذا صحيح، غير صحيح، هل له مصدر معتبر، ليس له مصدر معتبر، أـو أصلا ليس له مصدر. إلى أي مقدار هذا الكلام صحيح، في أين يستعمل، كم بالمئة صدقه، وكم بالمئة كذبه. إذا صار عند الإنسان هذه القدرة النقدية، وهذه القدرة التحليلية للكلمات، آنئذ هو بنفسه عندما يسمع أمثالا أو كلمات، أو أقوال آنئذ هو بنفسه يعالجها، ويفكر فيها، ويقيم ميزانها.
من الأمثال الخاطئة المنتشرة، وهي في أكثر من مجتمع من مجتمعاتنا العربية، هذا المثال: خيرا تعمل، شرا تلقى. وكأنه هذا المثال يريد أن يقول: إنك وأنت تعمل أعمالا صالحة للناس، سوف تلقى شرا في مقابل ذلك، سوف تلقى موقفا سلبيا. فمثلا لو أن إنسانا أنفق مالا في سبيل الله، على فقير، على محتاج، على مشروع اجتماعي أو ديني، من الممكن أن يقول له قسم من الناس: هذا إنسان مراء، يتظاهر بالصلاح وبالعطاء وبالإنفاق، فيجي الإنسان يقول: تفضل شوف، خيرا تعمل، شرا تلقى.
يروح إنسان آخر، يتصدى لعمل من الأعمال الصالحة، يقوم بالدور المناسب فيه، يواجه كلاما من الناس، أو من بعضهم، أنه نعم، هذا يريد الرئاسة، يريد السيطرة، يريد التسلط، فيتمثل بهذا القول: خيرا تعمل، شرا تلقى. وهكذا كثير من الأمثلة. هذه الكلمة: خيرا تعمل، شرا تلقى، هل لها مصدر، إذا كان إلها مصدر، خل نشوف هذا المصدر ما هو؟ وإذا ما إلها مصدر أصلا، آنئذ تكون مجتثة الجذر، ما إلها جذور. وبالفعل هذه ليس لها مصدر. لا – مثلا – موجودة في كتاب من الكتب السماوية، لا القرآن الكريم، ولا باقي الكتب، فليس لها مصدر من الوحي. نروح إلى الكتب التي تولت نقل كلمات المعصومين، أيضا لا تجد أثرا بهذا المعنى أو خبرا أو حديثا بهذا المعنى الذي يريده هذا المثال، وهذا المثل.
ربما في بعض القصص التي حصلت في التاريخ، استل منها مثل هذا المعنى، وبعضهم يقول: ربما كان قصة سنِمَّار منبعا لمثل هذا النوع من الكلمات. سنمَّار من هو؟ مهندس معماري متفوق كان في زمان ما قبل الإسلام، منطقة الحيرة، التي الآن بين النجف والكوفة، منطقة الحيرة، في ذلك الوقت كانت المناطق المزدهرة، أشبه بعاصمة، وكانت الفرس في ذلك الوقت مسيطرين على الجزيرة العربية، في هذا القسم الشرقي، ومنطقة الحيرة بالنسبة لهم، هي المنطقة المركزية لهم، الحيرة وبعدين المدائن، المدائن إلى الآن موجودة اللي فيها طاق كسرى عند بغداد. في ذاك الوقت، المدائن والحيرة كانتا البلدتين الأساسيتين اللتين تتبعان ملوك الفرس.
أحد الملوك واسمه النعمان، طلب، وكان معروفا بمباهاته ويحب هذا النوع، شايف الآن في هالأزمنة كيف يصور أو تصور الفيلا مالته، حق تقول: شوفوا، تفضلوا، أنا أسكن في هالبيت، يعني أنا إنسان مهم، ما دام أسكن في هالبيت، وأركب في هالسيارة الكذائية، حتى يتبين من خلال السيارة أهمية هذا الإنسان، مو من خلال عقله وفكره وتدبيره وشخصيته. لا، سيارته حمراء رياضية، ما أدري ماركة، إلى آخره، يبين عليه شخص مهم.