نأتي للقرآن الكريم وتوجيهات الإسلام مقابل هذا، فالآية المباركة التي أحياناً حتى الآية تفهم على خلاف معناها قول الله عز وجل: ((يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعاً فينبؤكم بما كنتم تعملون))، الفهم الخاطئ للآية هو عندنا يأتي شخص ويأمر شخصاً آخر بالمعروف أو ينصحه بسلوك طريق الخير يكون رد ذلك الشخص بأن الله تعالى قال في القرآن ((عليكم أنفسكم)) أي لا تتدخل في شأني، وهذا تفسير خاطئ وهذه الآية المباركة في سياق انه إذا ضل الآخرون ومشوا في طريق خاطئ فلا تتأثر بهم ولا تقول حشر مع الناس عيد ولا تتبع غيرك من الخاطئين ولا تسلك سبيل الخائضين فأنت مسؤول عن نفسك هنا وستحاسب بنفسك على نفسك، فلا يضركم من ضل إذا اهتديتم، بعد ذلك يقول الله عز وجل: ((إلى الله مرجعكم جميعاً فينبؤكم بما كنتم تعملون)) هذه الآية فيها إشارة أنه لا يقبل عذر من يعتذر بانه كان مع الجماعة.
هناك آية أخرى في الرد على قول القائلين (فكنا نخوض مع الخائضين)، نلاحظ التعبير في هنا جميل جداً فالإنسان الذي يخوض عادة لا يبصر، فيقول هؤلاء يوم القيامة: (وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين)، أي أنا كنا مع المجتمع ومتأثرون بهم وأفكارنا أفكار خاطئة إلى أن أصبحنا في مواجهة الموت، فيكون الجواب: ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين)، وفي مورد آخر يصرح القرآن الكريم بان حسابك ايها الإنسان منفرد، فقد كنت تنسجم مع المجتمع لتحصيل القوة فتضيف قوة المجتمع المنحرف إلى قوتك وتكون مبرر لك، فيقول الله عز وجل: ((وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً))، وهنا تعبير بأنه كما ان القلادة لا تنفك من عنق الإنسان فإن هذا الكتاب يأتي للإنسان في رقبته فلا ينفك عنه، فلا أحد يقرأ كتابه عنه إلا هو فيقرأ كتابه بنفسه ويقاضي نفسه كما في قوله تعالى: ((اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً * من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى)).
نلاحظ أن هذه الامثال تقول بأن نضيف القوة الإجتماعية إلى أنفسنا ونعتمد عليها ونستند إليها، بينما القرآن الكريم يقول له بأنه منفرد في حسابه وخطابه، فالله سبحانه وتعالى أمره بالصلاة والصيام والحجاب وترك اللغو واللهو والغناء، بغض النظر ماذا يفعل الناس، فلو افترضنا أن كل البشر كانوا منحرفين فلا يضرك من ضل إذا اهتديت.
هناك كلمة للإمام الحسن المجتبى عليه السلام بحثت عنها كثيراً فلم اجدها في مصدر من المصادر الأساسية لكن وجدتها في كتابين، كتاب لأحد علماء أهل البيت بالعربي والأخرى بالفارسي، وقد بحثت عن مصدرها في نفس الكتابين فلم أجدها فانقلها على هذا الأساس لا على أنها مستندة إلى الإمام الحسن عليه السلام وهي ترتبط بقضية حشر مع الناس، ففي ما قيل وما روي عن أن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام عندما سمع أحدهم يقول: حشر مع الناس عيد قال: وهل حشر مع الناس إلى النار عيد؟ ، فإذا صح هذا الكلام عن الإمام الحسن عليه السلام فإننا نقول إن كان الحشر مع الناس في الدنيا يجلب الراحة النفسية والتوافق الإجتماعية ويكون عيداً، فهل الحشر مع هؤلاء الناس إلى نار جهنم يكون عيداً أيضاً وفرح وراحة نفسية؟، بالطبع سيكون الجواب هو لا.
في حديث ننتهي به عن الإمام الكاظم عليه السلام قريب من هذا المعنى: (أبلغ خيراً وقل خيراً ولا تكن إمعة، فقال له الراوي: وما الإمعة؟، قال: لا تقل أنا مع الناس وأنا كواحد من الناس فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: هما نجدان، نجد خير ونجد شر، فلا يكن نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير حتى وإن كان قليلاً سالكوه).