حشر مع الناس = نخوض مع الخائضين ٤
سلسلة الأمثال الخاطئة ٤
كتابة الفاضلة أم سيد رضا
لا يزال حديثنا متتابعاً في موضوع الأمثال الخاطئة الشائعة في المجتمع، وقد سبق أن نبهنا ان لهذه الأمثال على خطئها تأثيراً غير قليل على حياة الناس وسلوكهم بل وعلى عموم رؤيتهم للحياة، حتى أن بعضهم ليتأثر في سلوكه وطريقة حياته بهذه الأمثال أو ببعضها أكثر مما يتأثر بأحاديث المعصومين او بآيات القرآن الكريم، لذلك من المهم أن نتعرض إليها وأن نتعرف على مواطن الخلل فيها، ومن تلك الأمثال ما يبرر به قسم من الناس متابعتهم للمجتمع صائباً كان أم خاطئاً، فهناك قسم من الناس عندما تسأله مثلاً: لماذا أنت تعمل هذا العمل؟ ولماذا تسمع الأغاني بالرغم من أنها محرمة؟، يكون جوابه هو أن كل الناس تسمع للغناء الآن والذي لا يسمع للغناء يعتبر نادراً أو شاذاً.
أو عندما تسأل فتاة لماذا لا تتحجب الحجاب المشروع؟، يكون جوابها بأن كل الفتيات يلبسن هذا الحجاب ويخترن هذا الموديل وحتى إن لم يتناسب مع المواصفات الشرعية، أو عندما تسأل أحدهم لماذا يلجأ في معاملاته إلى أعمال مخالفة كالربا والغش وغير ذلك؟ يكون رده أن كل الناس تفعل ذلك، فإنه يرد بهذا الجواب حتى يبرر لنفسه سلوك نفس الطريق وعلى أثر هذا حاكت المجتمعات أمثلة تناسب هذا الأمر، كالمثال المشهور والمعروف (حشر مع الناس عيد) ويعني أن الإنسان إذا كان مع عامة الناس فهو في حالة فرح وسرور وفي حالة انسجام مع المجتمع، وأما إذا انفصل عنهم فسينظر إليه على أنه بغيض أو معقد ولا ينسجم مع المجتمع، فإذا أراد أن يكون فرحاً مسروراً منسجماً فلا بد أن يكون على النمط الإجتماعي السائد، فهذا المثل حتى في غير اللغة العربية أيضاً، ففي اللغة الفارسة عندهم مثال: ( خواهى نشوى رسوا همرنكـ جماعت شو) ومعناه أنه إذا أردت أن لا تفتضح فكن كلون الجماعة ومن نفس قماشتهم.
هناك أمثلة كثيرة تدل على هذا المعنى أيضاً، فعند البادية يقولون: (مع الخيل يا شقرة) وقد يذكرون له قصة في هذا وهي بأن شخصاً عربياً كان لديه خيول يروضها ويدربها ثم يذهب لبيعها، وأيضاً كان بقرة شقراء صفراء وهذه البقرة عندما ترى الخيول يخرجون تخرج معهم بالرغم من أن المطلوب من البقرة غير المطلوب من الخيول، وفي أحد الأيام تأخرت عن الخروج معهم فقال لها: مع الخيل يا شقرة، وكأنما البقرة غير منسجمة مع الخيول فالبقرة مطلوب منها شيء غير المطلوب من الخيول.
هناك شعر أيضاً ذكرناه قبل عدة أيام قول دريد بن الصمة:
وهل انا من غزية إن غوت غزية غويت وإن ترشد غزية أرشد
أي أنه واحداً من قبيلة غزية فإن هي اهتدت فهو معهم سيهتدي وإن هي غوت فهو منهم، ويقال بان نتيجة هذا الرجل أنه مات كافراً في غزوة حنين، وهذا يعرفنا بأن هذا المسار الذي يمشي فيه الإنسان مع قبيلته إن كانوا ضالين او مهتدين فهو معهم ليس منفرد عنهم فإن نتيجته ستكون مثل هذا الرجل الذي كان مع قبيلته هوازن وقد وقفوا في وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة حنين المعروفة.
عقلية هذه الامثلة وهذه الأشعار: (وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد)، (حشر مع الناس عيد)، (مع الخيل يا شقرة) أو كنا نخوض مع الخائضين كما هو حال المقبلين على نار جهنم يوم القيامة، هذا المثل مثل خاطئ وفكرة باطلة، فأنا إنسان مطلوب مني ان أتوافق مع المجتمع لكن فيما لا حد شرعي فيه.