ونفس الكلام لما نأتي إلى قضية الرجوع، في الرجوع، ما سلكوا نفس الطريق طريق الذهاب، لأسباب قد نتعرض لها فيما بعد، وإنما سلكوا طريق آخر، هو طريق بادية الشام، وهو حوالي ١٥٠٠ كيلو، أقل بقليل أو أكثر بقليل. هذه قطعوها، في تسعة أيام، وبالفعل التاريخ يذكر أنهم خرجوا يوم ١١ من دمشق، ووصلوا إلى كربلاء يوم ٢٠.
فهذه المسافات لما واحد يحسبها على سير الإبل المعتاد، الذي كان في ذلك الوقت، يجدها متطابقة مع ما ذكرها المؤرخون. ربما بعضهم كانوا يقيسون المسافات على أساس سير الإنسان العادي، اللي يقطع ٤٤ كيلو متر في اليوم، واللي هي مسافة القصر من الناحية الشرعية. لكن هذي مسافة السير على الأقدام. ولم يكونوا ليذهبوا كل هالمسافات، ٢١٠٠ كيلو متر على أقدامهم، وإنما على الجمال والإبل. فهذي إشارة عامة إلى عموم هذه الرحلة.
أول مرحلة من مراحل هذه الرحلة: ركب السبايا. بين قوسين خل أوضح كلمة السبايا هنا. عند بعض المجتمعات، كلمة: سبية، وسبايا، جدا مستهجنة، كما هو الحال في بلاد الشام، ما يقبلون هذه الكلمة عن نساء أهل البيت. ليش؟ لأن السبية عندهم: هي المرأة التي تؤخذ وتنتهك من الناحية الجنسية. كما فعل مثلا الدواعش مع النساء اللاتي أخذنهن. يقولوا: هذولا سبايا، وبالتالي أخذوهم، وانتهكوهم واغتصبوهم من الناحية الجنسية، لذلك يقولون ما يصير، في مثل: بلاد الشام، وهالمناطق هذي، هاللفظ هذا مستهجن عندهم، أن ما يصير نطلق على نساء أهل البيت، أسارى كربلاء، ما يصير نطلق عليهم اسم سبايا.
نقول: لا. هذا ليس صحيحا. السبي: أن تؤخذ المرأة أسيرة. بعد ذلك ماذا يصنع بها، هذا أمر آخر. فيقال لها: سبية، بمجرد أنها أخذت في أثناء المعركة، أو بعد المعركة، يقال لها: سبية، وسبايا. السبايا بعض الأحيان يستعملن للخدمة، وما شابه. وبعض الأحيان يستخدمن لقضية النكاح وما شابه.
بالنسبة إلى أسرى أهل البيت (ع)، ورد في لسان الأخبار التسمية لهن بسبايا، وأسرى، كل هذا وارد. وسبية أيضا ليس فيها ذلك المعنى الخاص الذي يستهجن، يتفرع على هذا، مسألة عادة يسأل عنها وهي: أن الإمام الحسين (ع)، لما ودع نساءه، أخبرهن بالصبر، ولبس الأزر، والاحتساب، وأخبرهن أن الله حاميكن وحافظكن، وأنه سيجعل عاقبة أمركن إلى خير. فالبعض يقول: كيف الإمام الحسين قال: الله حاميكن وحافظكن، والحال: أنه تم سبيهن.
الجواب على ذلك: أن نظر الإمام الحسين (ع)، في قضية النساء، إلى هذا الجانب: أنه لن يتم الاعتداء عليهن. لن يسبين بذلك المعنى السيء الخاص، وإن كن سوف يقيدن ويؤخذن من بلد إلى بلد. وهذا بالفعل ما حصل. ولما أراد بعض الشاميين، أن يؤخذ فاطمة بنت الحسين على رواية، أو بنت علي على رواية أخرى، قال: هب هذه الجارية، تقول: وكنت جارية وضيئة فخسيت أن يفعل ذلك فلذت بعمتي زينب، فقالت: لا والله، ما ذلك لك ولأميرك. ليش؟ لأن سبي المرأة المسلمة من مسلم غير جائز شرعا. من الناحية الشرعية، لا يجوز أن تسبى المرأة المسلمة من قبل رجل مسلم. فإذا أنت مسلم لازم تلتزم بهذا، وإذا ما مسسلم لازم تعترف. ولذلك عندما قال يزيد: بلى، إنه لي، ولو أردت لفعلت، قالت له العقيلة زينب: كلا إلا أن تدين بغير ديننا. إذا أنت تدين بدين آخر غير الإسلام، نعم. أما إذا مسلم، لا يحل لك مثل هذا الأمر. في حالات معينة، ليس منها هذا المورد.
على كل حال، فخرج ركب السبايا والأسارى من كربلاء، يوم الحادي عشر بعد الظهر، وكان يوم سبت، ١١ يوم السبت، يوم السبت، ١١، سنة ٦١، بعد الظهر، المفروض أنه بعد صلاة الظهر، خرجو الركب، ركب الأسارى، باتجاه الكوفة، بين الكوفة وبين كربلاء، ٨٠ كيلو متر، سيقطعونها بحدود ٥ ساعات أو أكثر أو أقل، ولذلك وصلوا في الليل. فلم يكن القادة العسكريون، كعمر بن سعد، وأشباهه من اللؤماء ما يريدون يدخلون في الليل، إنما يريدون وط النهار، الناس يتجمعون، يحتفلون بهذا النصر، في زعمهم، ويبينون ما صنعوه من فتح كما زعموه. لذلك أخر الدخول إلى اليوم الثاني، يوم الأحد صباحا، بعد ما الناس استيقظت، وأعلن أنه في اليوم العاشر من المحرم يدخل ركب سبايا الحسين (ع)، وتجمعوا الناس من كل مكان. بالفعل بدأ الناس يتقاطرون في الأماكن والطرقات، ويحاولون التفرج. هنا نشير إلى عدة نقاط، واحد من النقاط: أن بعض المؤرخين حاولوا أن يهونوا من المصيبة ومن الإثم الذي ارتكبه أولئك، وهذا سبق في بعض الأماكن أن ذكرنا بأنه تم تغييب النهضة الحسينية عندما شوهت المصادر التي نقل منها المتأخرون. المصادر المتقدمة الحقيقية والأصلية، مثل: مقتل: أبي مخنف الأزدي، ومثل: تاريخ الطبري، وأمثاله، وإنما اعتمد المتأخرون على مثل كتاب: الطبقات لابن سعد، وهذا فيه الكثير من الأشياء غير الحقيقية، وعلى كتاب: الأخبار الطوال لابن قتييبة الدينوري، وهذا أيضا نفس الكلام، مثلا: ابن قتيبة الدينوري: ينقل في كتابه، أنه قال: وأمر بن سعد أن تحمل نساء الحسين في المحامل المستورة على الإبل. المحامل المستورة على الإبل، هذي كان يصنعها مثل الحسين وأبو الفضل العباس في المجيء، باعتبار نساءهم محل كرامة، محل تقدير، الإبل ما تنركب إلا بمحمل، يخلون عليها قتب، لأنه مرتفع هكذا بحسب السنام، بينما الخيل والبغل، ما يحتاج، فقط تضع أي قماشة ويركب عليه الإنسان، ظهره مستو، أما الإبل، فيحتاج إلى قتب، هذا القتب يسوي معادلة بين هذا الجانب وذاك الجانب، وينصبوا عليه عادة قبة وستار، عن الشمس من جهة، وعن النظر من جهة أخرى بالنسبة إلى النساء.